تبرعات غزة.. أين ذهبت ملايين الدولارات؟

08/28/2026 - 19:39 PM

Your Ad Here

 

 

أميتة خليفة

شهدت فترة الحرب على غزة موجة واسعة من حملات جمع التبرعات التي أطلقتها مؤسسات وجمعيات خيرية ومنظمات إغاثية في دول مختلفة، تحت شعارات تهدف إلى مساعدة السكان وتوفير الغذاء والدواء والمأوى والاحتياجات الأساسية، بينما يبدو أن حجم الأموال التي جرى جمعها باسم سكان القطاع كان كبيرًا للغاية، وربما وصل في بعض الحالات إلى ملايين الدولارات، في وقت لا يزال فيه كثير من الغزيين يواجهون ظروفًا معيشية شديدة القسوة ويفتقدون أبسط مقومات الحياة.

ومع توقف الحرب أو تراجع حدتها، تبرز أسئلة عديدة حول مصير هذه الأموال، وكيف جرى إنفاقها، وما حجم المساعدات التي وصلت بالفعل إلى السكان الذين جُمعت التبرعات من أجلهم، خاصة أن الفجوة بين حجم الحملات التي انتشرت حول العالم وبين الواقع الإنساني داخل غزة تبدو لافتة، وربما تثير تساؤلات مشروعة حول آليات إدارة التبرعات ومدى وصولها إلى مستحقيها، وما إذا كانت جميع الجهات التي جمعت الأموال قد قدمت تقارير واضحة بشأن ما تم جمعه وما تم إنفاقه.

ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في جميع المؤسسات الخيرية أو في كل حملات الإغاثة، فهناك جهات كثيرة ربما بذلت جهودًا حقيقية لإيصال المساعدات إلى السكان، لكن وجود مؤسسات أو حملات غير واضحة التفاصيل يجعل الحاجة إلى الشفافية أكثر إلحاحًا، إذ يبدو أن بعض الجهات استفادت من التعاطف العالمي مع معاناة الغزيين في جمع أموال ضخمة، بينما لا تزال التساؤلات قائمة حول حجم ما وصل منها فعليًا إلى الأسر المحتاجة.

وربما كانت الصور القادمة من غزة، بما تحمله من مشاهد للدمار والنزوح ونقص الغذاء والدواء، أحد أهم العوامل التي دفعت الملايين حول العالم إلى التبرع، وهو أمر يعكس تضامنًا إنسانيًا واسعًا مع المدنيين، إلا أن هذا التضامن يفترض أن يتحول إلى مساعدات ملموسة تصل إلى أصحابها، وليس مجرد أرقام تتراكم في حسابات مؤسسات أو حملات لا يعرف المتبرعون بصورة دقيقة كيف تتم إدارتها أو أين تنتهي أموالها.

ويبدو أن انتهاء الحرب لا يعني انتهاء الحاجة إلى المساعدات، بل على العكس، فقد أصبحت احتياجات سكان غزة أكثر تعقيدًا، في ظل تضرر المنازل والبنية التحتية والخدمات الأساسية، وهو ما يجعل السؤال عن الأموال التي جُمعت خلال سنوات الأزمة أكثر أهمية، فإذا كانت ملايين الدولارات قد جُمعت بالفعل باسم سكان القطاع، فمن حق المتبرعين معرفة حجم الأموال التي دخلت، وكيف تم توزيعها، وما قيمة المساعدات التي وصلت إلى الأسر المتضررة.

كما أن غياب المعلومات الواضحة قد يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، وربما يؤدي إلى فقدان الثقة في العمل الخيري بشكل عام، خاصة عندما يشعر المتبرع بأنه دفع أموالًا لمساعدة أسرة منكوبة، ثم لا يجد إجابة واضحة حول مصير تبرعه، بينما يعيش المستفيد المفترض من هذه الأموال في ظروف بالغة الصعوبة، وهو ما يجعل نشر التقارير المالية وآليات التوزيع أمرًا لا يقل أهمية عن جمع التبرعات نفسها.

وفي المقابل، فإن سكان غزة أنفسهم هم الطرف الأكثر تضررًا من أي خلل محتمل في منظومة المساعدات، لأنهم لا يحتاجون فقط إلى حملات إعلامية أو وعود بالمساعدة، وإنما يحتاجون إلى الغذاء والمياه والدواء والمأوى وإعادة بناء المنازل والمدارس والمستشفيات، وربما يحتاج كثير من الأسر إلى مساعدات مالية مباشرة تمكنها من مواجهة احتياجاتها اليومية، وهو ما يجعل وصول الدعم إلى مستحقيه معيارًا أساسيًا للحكم على نجاح أي حملة إغاثية.

وربما تكون هناك أسباب لوجستية وأمنية وقانونية حالت دون وصول بعض التبرعات إلى غزة في توقيت جمعها، وقد تكون بعض الأموال قد وُجهت إلى برامج إغاثية طويلة الأجل أو إلى تكاليف تشغيلية مرتبطة بتقديم المساعدات، لكن هذه الأسباب، على أهميتها، لا تلغي الحاجة إلى توضيح الصورة كاملة أمام المتبرعين، لأن الشفافية تظل الوسيلة الأفضل للفصل بين المؤسسات التي تعمل بالفعل لصالح المتضررين وتلك التي قد تكون استفادت من الزخم الإنساني لتحقيق أهداف أخرى.

ومن ناحية أخرى، فإن استمرار الغموض حول بعض حملات التبرع قد يعطي انطباعًا بأن معاناة سكان غزة تحولت بالنسبة إلى البعض إلى وسيلة لجمع الأموال، خاصة إذا كانت هناك حملات حققت إيرادات كبيرة دون نشر بيانات واضحة عن حجم التبرعات أو الجهات المستفيدة أو الأموال المتبقية، ولذلك يبدو أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مراجعة شاملة لملف التبرعات، مع الكشف عن البيانات المالية بصورة يمكن للمتبرعين والجهات الرقابية التأكد من خلالها من مسار الأموال.

وبالتأكيد، لا ينبغي أن يؤدي الحديث عن احتمالات إساءة استخدام التبرعات إلى وقف المساعدات أو فقدان الثقة في العمل الخيري، وإنما يجب أن يكون دافعًا نحو مزيد من الرقابة والشفافية، فالغزيون ما زالوا في حاجة إلى الدعم، لكن هذا الدعم يجب أن يصل إليهم بصورة مباشرة وفعالة، كما أن المؤسسات التي جمعت الأموال باسمهم مطالبة بتقديم كشف واضح يوضح حجم ما تم جمعه، وما تم إنفاقه، وما تبقى، والجهات التي حصلت على المساعدات.

وفي النهاية، تبقى القضية الأهم هي سكان غزة أنفسهم، الذين تحملوا آثار حرب مدمرة ووجدوا أنفسهم في حاجة إلى أبسط مقومات الحياة، بينما تدور في الخارج ملايين الدولارات من التبرعات التي جُمعت باسم معاناتهم، ومن هنا يبدو أن الوقت قد حان لفتح ملف التبرعات بصورة أكثر جدية، والكشف عن حقيقة ما وصل إلى أصحاب الحاجة، وما إذا كانت كل الأموال التي جُمعت قد أدت بالفعل الغرض الذي تبرع الناس من أجله، لأن استغلال المآسي الإنسانية لجمع الأموال، إن ثبت في أي حالة، لا يمثل مجرد مخالفة مالية، وإنما يضرب الثقة في العمل الخيري ويضاعف معاناة من جُمعت الأموال أصلًا لمساعدتهم.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment