إيران، سوريا، العراق، لبنان وغزة : تسويات صغيرة في ظل أزمات كبرى
إيلي إ. حرب
يمر الشرق الأوسط بمرحلة شديدة الحساسية والخطورة، تتداخل فيها المسارات العسكرية والأمنية والدبلوماسية من إيران وسوريا إلى العراق ولبنان وغزة. وبينما تواصل الولايات المتحدة استخدام الضغط الاقتصادي والعسكري لفرض شروط جديدة، تتحرك قوى إقليمية مثل باكستان وعُمان ومصر والأردن وقطر وتركيا لاحتواء التصعيد. واللافت أن المنطقة لا تبدو أمام تسوية شاملة واحدة، بل أمام مجموعة من التفاهمات المرحلية وقواعد اشتباك سياسية وميدانية موقتة قد تحدد شكل المرحلة المقبلة.
إيران أمام العزل الاقتصادي والوساطة الباكستانية
دخل المسار الأميركي ـ الإيراني مرحلة جديدة من التعقيد مع توسيع العقوبات على طهران تحت عنوان العزل الاقتصادي فتحت فيها واشنطن مرحلة جديدة من الضغوط على إيران، متجاوزة العقوبات التقليدية إلى محاولة خنق شبكاتها المالية والتجارية عالمياً. وقد استهدفت الحزمة الأخيرة نحو 60 فرداً وكياناً وسفينة مرتبطة بإيران، مع تهديد بفرض عقوبات ثانوية على جهات ودول تواصل التعامل مع طهران التي أكدت أن الضغط الاقتصادي لن يدفعها إلى تقديم تنازلات.
يبقى أن التطور الهام جاء من إسلام آباد. فقد أجرى قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير محادثات رفيعة المستوى في طهران، بعد اتصاله بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، في محاولة لمنع انهيار المسار الدبلوماسي، أعلنت باكستان على إثرها أن المحادثات حققت "تقدماً كبيراً"، وأنها ركزت على خفض التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز والتوصل إلى حل تفاوضي. أما نجاح الوساطة فيستوجب، بحسب مصادر متابعة، القيام بخطوات متبادلة: تخفيف العقوبات مقابل ترتيبات أمنية في المضيق، ثم العودة إلى الملفات النووية والاستراتيجية. وإذا فشل هذا المسار، فقد يتحول هرمز من ورقة تفاوض إلى نقطة انفجار إقليمي.
تركيا وإسرائيل في سوريا: الاحتواء بعد ضربة أبو الظهور
كشفت الضربة الإسرائيلية لمطار أبو الظهور العسكري أن التنافس التركي ـ الإسرائيلي على مستقبل سوريا يقترب من الاحتكاك المباشر. فقد استهدفت إسرائيل الموقع بعد زيارة وفد تركي له، وبررت العملية بمخاوفها من بناء وجود عسكري تركي قادرعلى تغيير ميزان القوى داخل سوريا. ومع رفض انقرة للاتهامات الإسرائيلية، باعتبار أن وجودها يندرج ضمن التعاون مع دمشق وإعادة بناء القدرات السورية، برز تطور لافت تمثل بتحرك دبلوماسي سريع مع انعقاد محادثات امنية سورية إسرائيلية في العاصمة الأردنية لمنع تحول الخلاف إلى مواجهة أوسع، عملت واشنطن على احتوائها.
عملية أبو الظهور ليست مشكلة بحد ذاتها، بل تعبير عن صراع أوسع بين إسرائيل التي تريد منع أي بنية عسكرية سورية أو تركية يمكن أن تهدد أمنها، وبين تركيا الجاهدة للاحتفاظ بدور رئيسي في بناء الجيش السوري الجديد. أما دمشق فتريد استعادة سيادتها العسكرية من دون قبول قيود إسرائيلية دائمة. وعليه، تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى إدارة الاحتكاك التركي ـ الإسرائيلي منها إلى تسوية نهائية، خصوصاً أن القنوات الأمنية السورية ـ الإسرائيلية باتت مفتوحة لمنع التصعيد
العراق: مهلة 30 أيلول واختبار حصر السلاح
من جهته دخل العراق اختباراً سياسياً وأمنياً صعباً مع اقتراب موعد 30 أيلول، الذي يتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي، فيما لا تزال آلية وجدول حصر السلاح بيد الدولة موضع تفاوض بين بغداد والفصائل المسلحة، وهي سبق أن حذرت الفصائل التي ترفض القرار من إجراءات قد تصل إلى تصنيف النشاط المسلح خارج مؤسسات الدولة ضمن جرائم الإرهاب. لكن المعطيات الأخيرة الواردة من بغداد تشير إلى محاولة صياغة حل وسط بدلاً من مواجهة عسكرية مباشرة ويقضي بنقل أسلحة بعض الفصائل إلى مخازن الحشد الشعبي ودمج مقاتليها ضمن وحداته الرسمية.
هذا الحل يثير سؤالاً أساسياً: هل يعني ذلك فعلاً حصر السلاح بيد الدولة، أم مجرد نقل السلاح من فصيل إلى مؤسسة لا تزال تضم قوى مرتبطة بإيران؟
السؤال يزداد تعقيدا لتزامن المهلة نفسها مع الموعد المقرر لإنهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي. وتطالب فصائل موالية لإيران بانسحاب القوات الأميركية أولاً، فيما تصر بغداد وواشنطن على أن انسحاب القوات الأجنبية يجب ألا يعني استمرار قوى مسلحة مستقلة عن القرار الرسمي. وبالتالي، فإن نجاح رئيس الوزراء علي الزيدي لن يقاس فقط بعدد الأسلحة التي ستُسلّم، بل بقدرته على إنهاء ازدواجية قرار الحرب والسلم من دون تفجير صراع داخلي.
لبنان: المناطق التجريبية أمام اختبار جديد
في لبنان، انتقلت المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية إلى تفاصيل التنفيذ بالنسبة "للمناطق التجريبية" في الجنوب. فالاتفاق يقوم على معادلة مترابطة: انتشار الجيش اللبناني، التحقق من خلو مناطق محددة من السلاح، ثم انسحاب إسرائيلي تدريجي. غيرأن الجولة الأخيرة في روما فشلت في توسيع المناطق التجريبية، فيما بقيت آلية التحقق معلقة، وبرزت فكرة إشراك دول أجنبية في آلية الرقابة والتحقق، مع تداول أسماء بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا. لكن السؤال الأساسي هو حدود صلاحيات هذه الجهات: هل تراقب فقط أم تشارك في التفتيش؟ ومن يملك القرار النهائي؟
تزداد صعوبة المسار مع استمرار الضربات الإسرائيلية في الجنوب وتردد معلومات عن إعادة حزب الله تنظيم صفوفه وتوزيع ما تبقى من قدراته في الجنوب وفي مواقع تواجده شمالاً، في وقت تحاول فيه الدولة اللبنانية تعزيز حضور الجيش. وهذا ما يجعل "المناطق التجريبية" اختباراً مزدوجاً: اختباراً لقدرة الجيش اللبناني على فرض سلطة الدولة، واختباراً لاستعداد إسرائيل للربط بين تنفيذ الالتزامات اللبنانية والانسحاب المقابل، فيما باتت عقدة "علي الطاهر" شبيهة بعقدة هرمز: موقع يشتد حوله الخلاف وتتزاحم عنده المصالح، وكلما يشتدّ الضغط حوله يزداد خطر تحوله إلى أزمة كبرى.
غزة وتباطؤ مسار السلام
تبقى غزة الحلقة الأكثر تعقيداً في شبكة التسويات الإقليمية. فعلى الرغم من التحرك الأميركي المكثف، لم يتمكن مبعوث الرئيس ترامب جاريد كوشنر من تحقيق اختراق حاسم خلال لقاءاته الأخيرة مع قيادة حماس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. جوهر الأزمة هو ترتيب الخطوات. الخطة الأميركية تقوم على نزع سلاح حماس بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي، بينما يصر نتنياهو على نزع السلاح أولاً والتحقق منه قبل أي انسحاب إسرائيلي، في حين تطالب حماس بضمان الانسحاب والالتزام بوقف إطلاق النار قبل التخلي عن سلاحها.
في الوقع، الأزمة أزمة ثقة. إسرائيل تخشى أن يؤدي الانسحاب قبل نزع السلاح إلى إعادة بناء حماس لقدراتها، بينما ترى حماس أن التخلي عن السلاح قبل الانسحاب سيحرمها من آخر أوراق الضغط، في وقت تتواصل العمليات العسكرية على الرغم من الدعوات الأميركية إلى خفضها. في المقابل، ترتيبات ما بعد الحرب لم تُحسم بالكامل: من يدير غزة ويضمن الأمن؟ من يدخل المساعدات ويشرف على قوة الاستقرار الدولية؟. يذكر أن اشنطن رصدت أكثر من 206 ملايين دولار لدعم قوة دولية مقترحة، لكن الخلاف السياسي لا يزال يعطل نشرها.
الخلاصة: تسويات صغيرة بدل اتفاق كبير
تتقاطع الملفات الخمسة على نموذج واحد: المنطقة تتجه نحو تسويات مرحلية قابلة للاختبار والانفجار بدلاً من اتفاقات شاملة ونهائية.
في إيران قد تبدأ التسوية من هرمز ووقف التصعيد قبل الملفات النووية والعقوبات. وفي سوريا قد تبدأ من آليات لمنع الاحتكاك التركي ـ الإسرائيلي. وفي العراق قد تكون البداية بدمج الفصائل وإعادة تنظيم السلاح والقيادة. وفي لبنان يجري اختبار "المناطق التجريبية". أما غزة فتحتاج إلى كسر انعدام الثقة وعقدة المرواحة بين نزع السلاح والانسحاب.
هذه المسارات ليست منفصلة فعلياً، وهي كلعبة الدومينو: تداعيات أي انهيار في إيران يمكن أن ينعكس على العراق ولبنان وغزة. وأي تصعيد تركي ـ إسرائيلي في سوريا يمكن أن يوسع دائرة التوتر الإقليمي. أما إذا فشلت هذه الاختبارات، فقد تثبت المنطقة مرة أخرى أن التسويات الجزئية لا تكفي عندما تبقى الملفات الكبرى كالسلاح والانسحاب والضمانات الأمنية والنفوذ الإقليمي مرتبطة ببعضها البعض.











08/25/2026 - 09:07 AM





Comments