أدهم إبراهيم
العراق يعيش مرحلة بالغة التعقيد، تتجاوز فيها الخلافات السياسية والأمنية ، لتصل إلى أسس الدولة نفسها: من يملك القرار ويفرض القانون؟ وهل ما زالت الدولة قادرة على ممارسة صلاحياتها دون الاصطدام بالفصائل المسلحة التي تملك المال والنفوذ؟
تتضح خطورة المشهد من خلال حادثة اعتقال أحد مسؤولي الفصائل المسلحة على يد قوة من جهاز مكافحة الإرهاب، وما أعقب ذلك من تهديدات باقتحام المنطقة الخضراء إذا لم يتم إطلاق سراح المعتقل . فتم تسليمه إلى أمن الحشد الشعبي . هذه الواقعة تطرح سؤالًا بالغ الأهمية حول مدى قدرة الدولة على احتكار السلاح، وفرض القانون على الجميع .
يحاول رئيس الوزراء علي الزيدي تنفيذ ما أُعلن من أولويات حكومته
تارة بملاحقة الفاسدين الصغار، وتارة بمراجعة عقود الوزارات، وأخرى بمحاولة اعتقال مطلوبين من الفصائل المسلحة. ويصطدم في كل مرة بجدار الميليشيات التي تمتلك المال والسلاح . وقد ظهر حجم المشكلة أيضًا في حادثة منع قوة من مكافحة الإرهاب من دخول منطقة جرف الصخر التي ما زالت تثير الكثير من علامات الاستفهام بسبب طبيعة وضعها الأمني والعسكري الغامض . فإذا كانت مؤسسة أمنية رسمية لا تستطيع الوصول إلى منطقة داخل الأراضي العراقية، فكيف يمكن الحديث عن سيادة الدولة؟
تكمن المشكلة الأساسية في أن العراق يملك في الظاهر مؤسسات ووزارات، لكنها تعاني من تشتت القرار نتيجة تعدد مراكز القوى . فالدولة الحديثة لا تقوم فقط بوجود مؤسسات رسمية، وإنما بقدرة هذه المؤسسات على اتخاذ القرارات وتنفيذها. ولا يمكن أن تكون هناك دولة مستقرة إذا كان السلاح موزعًا بين مؤسسات رسمية وقوى مسلحة تمتلك أجندات سياسية خاصة، أو إذا كانت بعض القوى تستطيع تعطيل قرارات الدولة بالضغط والتهديد.
وهناك معضلة أخرى تتمثل في التدخلات الإقليمية والدولية. فالعراق يقف بين الإملاءات الامريكية، والنفوذ الإيراني المتزايد من جهة أخرى، وقد وجد رئيس الوزراء نفسه في وضع لايحسد عليه وليس باستطاعته اتخاذ اي قرار ستراتيجي وطني مستقل .
والمفارقة أن الحكومة نفسها جاءت من خلال القوى السياسية التي تشكل الإطار الحاكم منذ سنوات. فإذا كانت هذه القوى هي التي اختارت الحكومة ورئيس الوزراء، فلماذا تتحول بعض الفصائل المرتبطة بها إلى قوة معارضة للدولة أو مهددة لها عندما تتخذ الحكومة إجراءً لا ينسجم مع مصالحها؟
الأخطر من ذلك العلاقة التبادلية بين الفساد والسلاح. فالمال غير المشروع يحتاج إلى قوة تحميه، والقوة المسلحة تحتاج إلى موارد مالية تديمها . وعندما تتداخل مصالح الفاسدين مع مصالح الجماعات المسلحة، تصبح مكافحة الفساد ونزع السلاح مهمتين متلازمتين، ومن الصعب تحقيق إحداهما من دون الأخرى.
ولهذا فإن معركة الدولة لا ينبغي أن تقتصر على اعتقال بعض صغار الفاسدين أو مراجعة بعض العقود الحكومية، بل يجب أن تمتد إلى مصادر الفساد الكبرى: تهريب النفط، تهريب العملة، السيطرة غير القانونية على المنافذ الحدودية والموانئ، والعبث بالموارد العامة، إضافة إلى إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب.
ولا يمكن تفسير الأزمة العراقية بالجانب الأمني وحده. فهناك فشل سياسي متراكم في بناء توافق وطني حقيقي حول شكل الدولة ووظائفها وعلاقتها بالقوى السياسية والمسلحة.
يواجه رئيس الحكومة اختباراً حقيقياً لمدى قدرة سلطته على حماية قرارات مؤسسات الدولة في مواجهة التهديدات المسلحة وفرض سيادة القانون. أما استمرار الوضع الحالي، حيث ازدواجية القرار بين الدولة والفصائل المسلحة، فإنه يهدد مستقبل البلاد أكثر مما يحل أي مشكلة.
يقف العراق على أعتاب مرحلة حاسمة لا تقبل الحلول الوسطى أو الترقيعية؛ فإما الدولة وسيادة القانون، وإما الفصائل والمليشيات.
لقد حان الوقت للخروج من الحلقة المفرغة التي عاشها العراق طوال عقود: محاصصة سياسية، فساد، سلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، تدخلات خارجية، ثم أزمات أمنية وسياسية تتكرر من جديد.
لإنهاء هذه الحلقة المفرغة التي أرهقت البلاد لعقود، يحتاج العراق بشكل ملح إلى حكومة انقاذ وطني وقيادة عسكرية حازمة لا تتردد في فرض الأمن بقوة القانون، وإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت، وتفكيك الجماعات المسلحة، وإعادة الهيبة للدولة ومؤسساتها وجيشها الوطني. إن تطهير مؤسسات الدولة من الفساد والمفسدين، وحمايتها من الانقسامات والحروب، هو السبيل الوحيد لخلاص البلد، بينما تبدو جميع المحاولات الحالية قاصرة وغير ناجعة. لقد حان الوقت لكسر دوامة الصراعات والفساد، والعبور بالبلاد نحو بر الأمان.











08/25/2026 - 08:55 AM





Comments