الكاتب الصحفي ضياء الدين مرزقي
لم يعد السؤال المهني الأكثر إلحاحاً هو: «هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟». السؤال الأدق هو: أي جزء من وظيفتي يمكن أن تنجزه الخوارزمية، وأي جزء سيظل محتاجاً إلى حكم الإنسان وخبرته ومسؤوليته؟
ففي المكاتب والمصانع والمصارف وغرف الأخبار والمستشفيات، لا يدخل الذكاء الاصطناعي عادةً في صورة آلة تستبدل موظفاً كاملاً دفعة واحدة، بل في صورة أدوات تعيد توزيع المهام: تلخص الوثائق، تكتب المسودة الأولى، تفرز الطلبات، تقترح القرار، تراقب الأداء، أو تتنبأ بالأعطال. والنتيجة أن الوظيفة الواحدة قد تتقلص فيها الأعمال الروتينية، بينما تزداد قيمة التواصل، والتحقق، والإبداع، والمسؤولية المهنية.
وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن واحداً من كل أربعة عمال عالمياً يعمل في مهنة لها درجة من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن النتيجة الأرجح ليست الإلغاء الكامل للوظيفة، بل تحولها؛ لأن معظم المهن تتكون من مزيج من المهام التي لا يمكن فصلها عن المدخل البشري [1].
ثلاثة مفاهيم يجب ألا تختلط
التغطية الإعلامية السريعة تخلط كثيراً بين «التعرض» و«الأتمتة» و«فقدان الوظيفة». التعرض يعني أن بعض مهام المهنة يمكن أن تتأثر بالذكاء الاصطناعي. أما الأتمتة فتعني أن المهمة تنتقل إلى النظام بدرجة كبيرة أو كاملة. وفقدان الوظيفة فهو نتيجة اقتصادية واجتماعية لاحقة تعتمد أيضاً على قرارات الشركات، والطلب في السوق، والقوانين، والاستثمار في تدريب العاملين.
ويعني التعرض أن جزءاً من مهام المهنة قابل للتغيير أو المساعدة بالذكاء الاصطناعي، مثل استخدام موظف إداري نموذجاً لتلخيص المراسلات. أما التعزيز فيعني أن الذكاء الاصطناعي يرفع سرعة العامل أو دقته مع بقاء القرار البشري، كما يحدث عندما يستعين طبيب بأداة لتحليل صور الأشعة.
وتشير الأتمتة إلى انتقال المهمة المتكررة إلى النظام مع تدخل بشري محدود، مثل فرز الطلبات البسيطة أو إدخال البيانات آلياً. أما الإحلال الوظيفي فيعني انخفاض الحاجة إلى عدد من العاملين أو تغير المسمى والدور، كما قد يحدث عند تقليص وظائف إدخال البيانات بعد رقمنة العمليات.
الوظائف الكتابية في خط المواجهة الأول
تضع دراسة منظمة العمل الدولية الوظائف الكتابية والإدارية في أعلى مستويات التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي. وتشمل هذه الفئة إدخال البيانات، ومعالجة الوثائق، والردود المعيارية، وجدولة المواعيد، وإعداد التقارير المتكررة، وخدمات السكرتارية الأساسية [1].
وتتأثر هذه الوظائف لأن مدخلاتها رقمية ومنظمة وقابلة للتكرار. يستطيع النظام قراءة نماذج، واستخراج حقول، وتصنيف رسائل، وإعداد رد أولي خلال ثوانٍ. لكن ذلك لا يعني اختفاء كل موظفي الإدارة؛ فالمهام التي تتطلب التعامل مع حالة حساسة، أو تفسير قاعدة غير واضحة، أو التواصل مع شخص غاضب، أو تحمل مسؤولية قانونية، تبقى مرتبطة بالإنسان.
وتكمن الخطورة الاجتماعية هنا في أن الوظائف المكتبية شكلت تاريخياً بوابة دخول مهمة للنساء والشباب إلى سوق العمل. ووفق تقديرات منظمة العمل الدولية، تبلغ نسبة العاملات في أعلى فئة تعرض 4.7%، مقابل 2.4% للعمال، فيما يتسع الفارق في الدول مرتفعة الدخل إلى 9.6% للنساء مقابل 3.5% للرجال [1]. وهذا لا يعني أن النساء سيفقدن وظائفهن حتماً، لكنه يعني أن أثر التحول قد يقع عليهن بدرجة أكبر إذا لم تتوفر برامج تدريب وانتقال مهني عادلة.
المحاسبة والمالية: من تسجيل الأرقام إلى تفسير المخاطر
تدخل أدوات الذكاء الاصطناعي إلى المحاسبة والمالية في المهام التي تتعلق بقراءة الفواتير، وتسوية الحسابات، واكتشاف الأنماط غير العادية، وتوليد التقارير الأولية، وتقييم طلبات الائتمان. ومع توسع الإدارة الخوارزمية، قد لا يقتصر التغيير على الموظف المالي، بل يمتد إلى طريقة تقييم أدائه ومراقبة إنتاجيته.
تظهر مسوح منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أن أربعة من كل خمسة عاملين في قطاعي التصنيع والمالية قالوا إن الذكاء الاصطناعي حسّن أداءهم، وأن ثلاثة من كل خمسة قالوا إنه زاد متعتهم بالعمل [2]. لكن الصورة ليست وردية بالكامل؛ فقد أعرب العاملون عن مخاوف من جمع البيانات، والضغط، والتحيز، وغياب الشفافية. وفي القطاع المالي تحديداً، قال 62% من العاملين إن جمع البيانات زاد الضغط عليهم، وأعرب 62% عن مخاوف بشأن الخصوصية [2].
وهكذا يتحول دور المحاسب من ناسخ للأرقام إلى مفسر للمخاطر ومراجع للبيانات وصاحب حكم مهني. لكن هذا التحول يرفع أيضاً كلفة الخطأ: فإذا أخطأت الخوارزمية في تصنيف معاملة أو منحت ائتماناً لعميل غير مناسب، فمن يتحمل المسؤولية؟ النظام أم الشركة أم الموظف الذي اعتمد النتيجة؟
البرمجة وصناعة المحتوى: إنتاج أسرع ومسؤولية أكبر
يستطيع الذكاء الاصطناعي توليد شيفرات أولية، واختبار وحدات برمجية، وتوثيق المنتجات، وإنشاء نصوص وصور ومقاطع أولية. وفي غرف الأخبار، يمكنه تفريغ المقابلات، وترجمة الوثائق، واقتراح العناوين، وتحليل قواعد البيانات، لكنه لا يستطيع وحده ضمان صحة الادعاء أو حماية المصدر أو فهم السياق السياسي والأخلاقي.
لذلك لا تختفي قيمة المبرمج أو الصحفي بالضرورة، بل تنتقل من الإنتاج اليدوي المتكرر إلى تصميم الحل، والتحقق، وإدارة الجودة، وفهم الجمهور، وحماية البيانات. غير أن المبتدئين قد يواجهون مشكلة خاصة: إذا تولت الأدوات المهام السهلة التي كان يتعلم منها الموظف الجديد، فمن أين سيكتسب الخبرة؟
وهذا هو جوهر النقاش حول وظائف البداية المهنية. فالذكاء الاصطناعي قد يزيد إنتاجية الموظف الخبير، لكنه قد يقلل عدد المهام الصغيرة المتاحة للمتدرب، ما يهدد السلم التقليدي للصعود المهني. ولهذا فإن المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بمسؤولية تحتاج إلى تصميم مهام تدريبية جديدة، لا الاكتفاء بتقليص الوظائف المبتدئة.
خدمة العملاء والنقل واللوجستيات: بين السرعة والعاطفة
تتوسع روبوتات المحادثة في الرد على الأسئلة المتكررة، وتتولى الخوارزميات تنظيم المخزون، وتوقع الطلب، وتحديد المسارات، ومتابعة الشحنات. وفي المتاجر والمصارف وشركات الاتصالات، قد تنخفض الحاجة إلى معالجة التفاعلات البسيطة، فيما تزداد الحاجة إلى موظفين يتدخلون في الحالات المعقدة أو الحساسة.
هذا التحول ينتج سوقاً مزدوجاً: خدمة آلية سريعة للحالات النمطية، وخدمة بشرية أكثر تخصصاً للحالات التي تتطلب تفاوضاً أو تعاطفاً أو قراراً استثنائياً. المشكلة أن بعض الشركات قد تستخدم الذكاء الاصطناعي لا لرفع جودة الخدمة، بل لمراقبة الموظف ثانية بثانية. وتشير منظمة التعاون والتنمية إلى أن 90% من المديرين في الولايات المتحدة قالوا إن شركاتهم توفر أداة واحدة على الأقل للإدارة الخوارزمية، بينما تراوحت النسبة في عدد من الدول الأوروبية بين 76% و81% [2].
المهن التي تنمو بالتوازي مع الذكاء الاصطناعي
لا يقتصر سوق العمل الجديد على مطوري البرمجيات. فتقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي يتوقع نمواً في وظائف اختصاصيي الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، والبيانات، والأمن السيبراني، وتطوير البرمجيات، إلى جانب مهندسي الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية والذاتية القيادة [3].
وتنشأ أيضاً وظائف أقل ظهوراً في العناوين التقنية، مثل مدققي مخرجات النماذج، ومصممي سير العمل، وخبراء حوكمة البيانات، ومختصي الامتثال الخوارزمي، ومدربي النماذج، ومصممي تجارب المستخدم، ومترجمي الاحتياجات المهنية إلى تعليمات قابلة للتنفيذ داخل الأنظمة.
ومن الوظائف التي تتراجع فيها المهام الروتينية إدخال البيانات ومعالجة النماذج، والصرافة وموظفو التذاكر، والسكرتارية والجدولة المعيارية، والردود المتكررة في مراكز الاتصال، وإعداد التقارير الوصفية، وبعض مهام المحاسبة الأولية.
وفي الجهة المقابلة، تتوسع وظائف اختصاصيي الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، وعلماء البيانات ومهندسي البيانات، وخبراء الأمن السيبراني والخصوصية، ومصممي أنظمة الذكاء الاصطناعي وتجارب المستخدم، ومدققي المخرجات والامتثال الخوارزمي، إضافة إلى مهندسي الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية.
هل يخلق الذكاء الاصطناعي وظائف أكثر مما يلغي؟
يقدم المنتدى الاقتصادي العالمي تقديراً واسعاً لحركة سوق العمل حتى 2030: 170 مليون وظيفة جديدة مقابل 92 مليون وظيفة مزاحة، بصافي زيادة يبلغ 78 مليون وظيفة. كما يتوقع أن يتعرض 22% من إجمالي الوظائف لاضطراب بنيوي خلال الفترة نفسها [3].
لكن هذا الرقم الصافي قد يكون مضللاً إذا قرئ خارج سياقه. فقد تنشأ وظائف في بلد وتختفي في بلد آخر، وقد يحصل العامل الذي فقد وظيفته القديمة على وظيفة جديدة بعد سنوات من التدريب أو لا يحصل عليها مطلقاً. كما أن «خلق وظيفة» لا يعني بالضرورة وظيفة مستقرة أو جيدة الأجر؛ فقد ينمو الطلب على أعمال رقمية مؤقتة أو مراقبة محتوى منخفضة الأجر إلى جانب وظائف متقدمة ذات رواتب مرتفعة.
وتؤكد منظمة التعاون والتنمية أن تبني الذكاء الاصطناعي في شركات دول OECD ارتفع تقريباً من 7% في 2021 إلى 20% في 2025، مع تقدم الشركات الكبيرة والشركات الناشئة وتخلف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بسبب التكلفة ونقص البنية التحتية والمهارات [2]. وهذا يعني أن التفاوت في الوصول إلى الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى تفاوت في الإنتاجية والأجور والفرص بين الشركات والبلدان.
المهارات الجديدة: لا يكفي أن تتعلم استخدام الأداة
يشير تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، والشبكات والأمن السيبراني، والثقافة التقنية، ستكون من أسرع المهارات نمواً [3]. لكن المهارات المطلوبة لا تقتصر على الجانب التقني. فالعامل يحتاج إلى التفكير التحليلي، والتحقق من النتائج، وفهم المخاطر، والتواصل، والإبداع، والقدرة على التعلم المستمر.
المهارة الحاسمة ليست حفظ أوامر أداة واحدة؛ لأن الأدوات تتغير بسرعة. المهارة الأهم هي القدرة على تفكيك المشكلة، وتحديد ما يمكن تفويضه للنظام، وفحص النتيجة، وإدراك حدودها، ثم اتخاذ قرار مسؤول. وفي المهن المنظمة، مثل الطب والقانون والمال والإعلام، يجب أن يضاف إلى ذلك فهم الخصوصية والأخلاقيات وحق الإنسان في الاعتراض.
من يربح ومن يدفع الثمن؟
قد يستفيد أصحاب المهارات العالية من الذكاء الاصطناعي لأن الأداة تضاعف إنتاجيتهم، بينما يواجه العاملون في المهام الروتينية ضغطاً أكبر لإعادة التدريب أو قبول أجور أقل. وقد تستفيد الشركات الكبيرة من وفورات الحجم والبيانات، في حين تجد الشركات الصغيرة صعوبة في دفع كلفة البنية التحتية والتدريب.
كما أن الإدارة الخوارزمية قد تنقل سلطة المدير إلى لوحة قياس لا يفهم العامل طريقة عملها. فإذا خُفّض تقييم الموظف بسبب معدل لم يطلع عليه أو نموذج لا يستطيع الطعن فيه، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة إنتاج إلى آلية سلطة. ولهذا توصي الأدلة التي تعرضها منظمة التعاون والتنمية بأهمية التدريب والتشاور مع العاملين عند إدخال الذكاء الاصطناعي إلى بيئة العمل [2].
الخلاصة: المستقبل ليس «مع الذكاء الاصطناعي» أو «ضده»
المؤشرات المتاحة لا تدعم سردية بسيطة عن اختفاء العمل. فهي تقول إن الذكاء الاصطناعي سيضغط أولاً على المهام الرقمية والروتينية، وسيعيد تشكيل المهن المكتبية والمالية والإدارية وخدمات العملاء والمحتوى والبرمجة، بينما يرفع الطلب على البيانات والأمن السيبراني والطاقة والرعاية والمهارات الإنسانية.
المعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والآلة فقط، بل بين نماذج مختلفة لإدارة الانتقال. النموذج الأول يشتري الأداة ويخفض عدد العاملين. والنموذج الثاني يعيد تصميم الوظائف، ويدرب الموظفين، ويحمي الخصوصية، ويُبقي القرار القابل للمساءلة بيد البشر. وبين النموذجين يتحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح وسيلة لرفع جودة العمل أم أداة لتوسيع عدم المساواة.
الخلاصة الصحفية: الوظيفة الأكثر تعرضاً ليست بالضرورة الوظيفة التي ستختفي؛ بل الوظيفة التي سيعاد تقسيمها إلى مهام، بعضها للآلة وبعضها للإنسان.
ملاحظة منهجية
التوقعات الواردة في هذا المقال ليست تنبؤات حتمية. أرقام المنتدى الاقتصادي العالمي مبنية على استطلاع أصحاب عمل، وأرقام منظمة العمل الدولية تقيس التعرض المحتمل للذكاء الاصطناعي التوليدي على مستوى المهام، بينما تستند أرقام منظمة التعاون والتنمية المتعلقة بالأداء والضغط إلى مسوح في قطاعات وبلدان محددة. لذلك لا يجوز تحويل «التعرض» مباشرة إلى «فقدان وظيفة».
المراجع
[1]: https://www.ilo.org/publications/generative-ai-and-jobs-refined-global-index-occupational-exposure — منظمة العمل الدولية، Generative AI and Jobs: A Refined Global Index of Occupational Exposure، 20 مايو 2025.
[2]: https://www.oecd.org/en/topics/sub-issues/ai-and-work.html — منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، AI and work، مع نتائج مسوح أصحاب العمل والعاملين وورقة Skills in the AI age، 2025–2026.
[3]: https://reports.weforum.org/docs/WEF_Future_of_Jobs_Report_2025.pdf — المنتدى الاقتصادي العالمي، Future of Jobs Report 2025، يناير 2025.












08/23/2026 - 06:38 AM





Comments