كيف نطلب من المواطن أن يؤمن بالدولة... إذا كانت السلطة لا تمارسها؟

08/14/2026 - 00:52 AM

Your Ad Here

 

 

 رشيد ج. مينا

تحدثنا، وغيرنا تحدث، وسيبقى الحديث عن الدولة ومفهومها، وعن كونها المدخل الحقيقي لإخراج لبنان من النفق الذي أُدخل إليه منذ عقود. لكن تكرار الحديث عن الدولة لا يبني دولة، كما أن مطالبة المواطن بالإيمان بها والانتماء إليها واحترام قوانينها لا تكفي، ما لم يدرك المسؤولون أنفسهم معنى الدولة، والأسس التي تقوم عليها، وما يعنيه الدستور والقانون والمؤسسات والمساواة أمامها.

يكفي أن نطل على مشاهد الخلافات التي تنشأ من حين إلى آخر بين المسؤولين، في المجالس ومواقع السلطة المختلفة. فما إن يقع خلاف، سواء كان المسؤول المعني على خطأ أو صواب، حتى سرعان ما يغادر النقاش إطاره السياسي أو القانوني أو الدستوري، ويتخذ طابعًا طائفيًا أو مذهبيًا. تُحشد الحشود، وتُسخّر المنابر والمواقع، وتُستحضر كل عدة الشغل خلف هذا المسؤول أو ذاك، ليصبح المستهدف، فجأة، ليس موقفًا أو ممارسة أو قرارًا، بل طائفة أو مذهبًا، ويصبح الاعتراض إقصاءً واستضعافًا واستهدافًا للجماعة. فأي وطن هذا الذي نتغنى به إذا كان المسؤول، عندما يُسأل أو يُحاسب، يستدعي طائفته قبل أن يستدعي القانون؟

وأي دولة نطلب من المواطن أن ينتمي إليها، إذا كان لم يتعرف إليها في حياته اليومية إلا من خلال الرسوم والضرائب والمخالفات والمحاسبة، فيما يرى أمامه أن القرب من أحد أركان السلطة أو التبعية له أو الاستزلام لديه يمكن أن يصنع استثناءً من قاعدة، أو حماية من محاسبة، أو طريقًا للحصول على حق كان يفترض أن تمنحه الدولة للمواطن دون واسطة أو منّة؟ وهنا يصبح من الضروري التمييز بين الدولة والسلطة.

فالدولة ليست الأشخاص الذين يحتلون مواقعها، وليست الحكومات والمجالس والزعامات، ولا هي مجرد الإدارات التي تجبي الرسوم وتصدر القرارات. الدولة منظومة دستورية وقانونية ومؤسساتية تكون فيها السلطة مقيدة بالقانون، ويكون المسؤول خاضعًا للمحاسبة، ويكون المواطن متساويًا مع غيره في الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن طائفته أو مذهبه أو منطقته أو انتمائه السياسي.

أما حين يُطوَّع الدستور، وتُفسَّر القوانين وفق موازين القوى والمصالح، وتصبح المؤسسات جزءًا من التسويات، فنكون أمام سلطات تمارس الحكم باسم الدولة أكثر مما نكون أمام دولة تمارس سلطتها من خلال مؤسساتها.

ولعل ما شهدناه في قضية قانون العفو العام يقدم مثالًا يستحق التوقف عنده، لا للدخول في تفاصيل القانون أو في السجال الذي رافقه، وإنما لأنه يكشف مرة أخرى طبيعة الممارسة السياسية. فهذا هو العفو العام الثالث منذ اتفاق الطائف، ولكل مرة تعليلها وموجباتها وظروفها، لكن السؤال الأساسي لا ينبغي أن يضيع وسط الخلافات السياسية والشخصية، ومنها ما أثير من أخذ ورد بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع.

فالمسألة الأهم ليست من انتصر في السجال، ولا من كان على حق في هذا التفصيل أو ذاك، وإنما: ما المعايير والمقاييس التي على أساسها يُقر قانون عفو عام؟

هل المعيار هو العدالة والمساواة وتصحيح الظلامات؟ أم التوازنات والتسويات والمصالح السياسية التي سرعان ما تكتسب، في لبنان، أبعادًا طائفية ومذهبية؟ وقبل ذلك كله، أين مسؤولية الدولة وقضائها عن أي إنسان أُدخل السجن وبقي سنوات من دون محاكمة؟

أي عدالة تسمح بذلك؟ وأي مفهوم للدولة يمكن أن يستقيم إذا كانت الحرية، وهي من أقدس حقوق الإنسان، يمكن أن تبقى معلقة سنوات في انتظار محاكمة؟

إن معالجة الظلامة لا تكون فقط بقانون عفو يأتي بعد سنوات، بل بقضاء قادر على ألا يسمح بوقوع الظلامة أصلًا، وبنظام عدالة يضمن أن يحاكم الإنسان ضمن مهلة معقولة، وأن تثبت إدانته أو براءته وفق القانون، لا أن يتحول السجن المؤقت إلى عقوبة تسبق الحكم. وهنا تظهر المسافة الكبيرة بين المواطن والدولة. إنها، في جوهرها، مسافة صنعها غياب الدولة بمفهومها الحقيقي، وحضور السلطة بمفهومها الفئوي. والأمر نفسه ينسحب على الجيش اللبناني.

فاللبنانيون، على اختلاف انتماءاتهم، يتحدثون عن الجيش باعتباره مؤسسة وطنية جامعة، ويحظى الجيش بدعم واسع وإجماع يكاد يكون نادرًا في بلد منقسم حول الكثير من القضايا. لكن ما إن يُطرح قيام الجيش بمهامه وواجباته، كما يحددها الدستور والقوانين ومصلحة الدولة، حتى تطل التحذيرات من كل حدب وصوب: لا تُقحموا الجيش، نخشى عليه من الانقسام، لا تضعوه في مواجهة هذه الفئة أو تلك الطائفة أو ذلك المذهب.

فأي جيش وطني نريده؟

هل نريده رمزًا وطنيًا نلتف حوله في المناسبات، أم مؤسسة وطنية تمتلك القدرة والدعم والقرار للقيام بالمهام التي أُنشئت من أجلها؟

إن حماية الجيش لا تكون بتعطيل دوره، ولا بإخضاع مهماته لمزاج القوى السياسية وموازينها، بل ببناء الدولة التي تمنحه الشرعية والغطاء الوطني الكامل للقيام بواجباته، وتحميه من أن يتحول إلى مادة في سوق المزايدات السياسية أو أداة في المشاريع الفئوية. ومن دون شك، نحن بحاجة إلى مسؤولين يدركون معنى الدولة قبل أن يطلبوا من المواطن أن يدركه، ويمارسون المواطنة قبل أن يعظوا الناس بها، ويحتكمون إلى الدستور والقانون قبل أن يطالبوا الآخرين باحترامهما. فالقدوة في بناء الدولة تبدأ من رأس السلطة، لا من المواطن وحده.

هناك فرق كبير بين دولة ومؤسسات تحتكم إلى الدستور والقانون ومبادئ الديمقراطية والشفافية والمحاسبة، وبين سلطات حاكمة بحكم الأمر الواقع تطوّع الدستور والقوانين والمؤسسات وفق مصالحها وحساباتها. ونحن بحاجة بالفعل إلى أن يتعرف المواطن إلى مفهوم الدولة، وأن تتجذر لديه ثقافة المواطنة، لكن ذلك لا يتحقق بكتاب تربية وطنية وحده، ولا بخطاب سياسي، ولا برفع العلم في المناسبات. المواطن يتعرف إلى الدولة عندما يراها في حياته.

يراها عندما يلجأ إلى القضاء فيحصل على حقه.

يراها عندما يحتاج إلى مؤسسة عامة فلا يحتاج إلى واسطة.

يراها عندما يطبق القانون على القوي قبل الضعيف.

يراها عندما يدفع الضرائب فيجد مقابلها تعليمًا وخدمات وبنية تحتية وأمنًا وحماية اجتماعية.

ويراها عندما يشعر بأن كرامته وحقوقه لا تتغير بتغير اسمه أو طائفته أو مذهبه أو منطقته أو موقفه السياسي.

فالعلاقة بين المواطن والدولة ليست علاقة واجبات من طرف واحد. إنها علاقة متبادلة أساسها الحقوق والواجبات. وإذا كان على المواطن واجبات تجاه الدولة، فإن على الدولة واجبات تجاه المواطن. وعندما يؤدي أحد الطرفين واجباته ويتنصل الآخر منها، يحدث الخلل، وتتآكل الثقة، وتتحول العلاقة تدريجيًا من الانتماء إلى النفور، ومن الثقة إلى الشك، ومن الشراكة إلى العداء.

وفي لبنان، المشكلة أعمق، لأن المواطن لا يجد نفسه دائمًا أمام سلطة واحدة ومرجعية واحدة، بل أمام سلطات متعددة تتقاطع أحيانًا وتتعارض أحيانًا أخرى، ولكل منها امتداداتها وحساباتها ومصالحها.

ومن هنا، فإن الطريق نحو إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة يبدأ أولًا بوجود الدولة نفسها: دولة بمؤسسات وطنية فعلية، تصنع الثقة بالتراكم، وتغرس روح المواطنة والانتماء بالممارسة، وتؤكد لكل لبناني أنها دولته، حاضنته وحاميته، دون تمييز أو تفريق. وعندها فقط يمكن أن تتحول القضايا الكبرى التي تقسم اللبنانيين اليوم إلى قضايا وطنية جامعة.

فوجود السلاح خارج إطار الدولة لا ينبغي أن يكون قضية طائفة في مواجهة طائفة، ولا مذهب في مواجهة مذهب، ولا فريق سياسي في مواجهة آخر. ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن أرض لبنان وسيادته ليست قضية فئة من اللبنانيين دون سواها، بل قضية وطنية يفترض أن تتحمل مسؤوليتها الدولة بجميع مؤسساتها وشعبها.

وكذلك التحرر من التدخلات الخارجية لا يتحقق بتبديل تبعية بتبعية، ولا بمحور في مواجهة محور، وإنما بقيام دولة قوية تجعل القرار الوطني اللبناني نابعًا من مصلحة لبنان، وتدفع قوى الداخل إلى التحرر من ارتهانها للخارج، أيًا يكن هذا الخارج. وهنا يعود الجيش الوطني اللبناني إلى موقعه الطبيعي: المؤسسة المولجة حماية لبنان واللبنانيين والدفاع عن أرضهم وسيادتهم، والتي ينبغي أن تحظى بكل الدعم السياسي والشعبي والمادي لتقوم بواجباتها، بعيدًا عن المزايدات السياسية والحسابات الطائفية والمشاريع الفئوية.

لقد تحدثنا طويلًا عن ضرورة بناء الدولة، لكن ربما آن الأوان لأن ندرك أن بناءها لا يبدأ فقط بإصلاح النصوص والمؤسسات، بل أيضًا بتغيير مفهوم ممارسة السلطة.

فلا يمكن أن نبني دولة بعقلية الطائفة، ولا مواطنة بمنطق الاستزلام، ولا عدالة بالتسويات، ولا جيشًا وطنيًا نخشى أن يقوم بمهامه، ولا سيادة بقرارات موزعة بين الداخل والخارج. ولا يمكن، قبل كل ذلك، أن نطلب من المواطن أن يثق بدولة لا يراها عندما يحتاج إليها.

الدولة التي نريدها ليست سلطة فوق المواطن، بل دولة معه وله؛ يأخذ منها حقوقه ويؤدي لها واجباته، يحميها لأنها تحميه، وينتمي إليها لأنه يعرف أنها لا تسأله من يكون قبل أن تعترف بأنه مواطن. وحين تصبح الدولة كذلك، لن نحتاج إلى أن نعلّم اللبناني كل يوم معنى المواطنة والانتماء؛ لأن الدولة نفسها ستكون مدرسته الأولى، وممارستها ستكون الدرس الأكثر صدقًا.

أما قبل ذلك، فسيبقى السؤال قائمًا: كيف نطلب من المواطن أن يؤمن بالدولة... إذا كانت السلطة نفسها لا تمارسها؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment