العفو العام يمرّ في البرلمان بعد مخاض سياسي طويل... انسحابات وسجالات واتصالات حاسمة

08/12/2026 - 06:56 AM

Your Ad Here

 

 

 

انسحابات نيابية تضامناً مع وزير الدفاع... وبري يتدخل لاحتواء الخلاف قبل إقرار القانون

 

مجلس النواب - بيروت تايمز - منى حسن

في يوم تشريعي ثانٍ حافل بالتوتر والسجالات السياسية، أقرّ مجلس النواب قانون العفو العام بالمناداة، بعد إدخال تعديلات على الصيغة التي خرجت عن اللجان النيابية المشتركة، وذلك عقب مفاوضات واتصالات مكثفة رافقت الجلسة منذ انطلاقها، وكادت أن تطيح بالقانون برمّته.

وجاء الإقرار وسط انسحاب تكتل "لبنان القوي" وكتلة "الوفاء للمقاومة"، إضافة إلى التكتل النيابي المستقل، احتجاجاً على عدم السماح لوزير الدفاع ميشال منسى بدخول الجلسة والإدلاء بملاحظاته أمام الهيئة العامة، في وقت تحوّل الخلاف حول العفو العام إلى سجال سياسي ودستوري أوسع حول صلاحيات الوزراء وحقهم في التعبير عن موقف وزاراتهم في الملفات التي تعنيهم مباشرة.

وكان النائب حسين الحاج حسن قد وصف ما جرى بأنه "سابقة خطيرة"، مؤكداً أن منع وزير من الإدلاء بكلمته لا يمكن أن يكون النواب شهوداً عليه، فيما اعتبر نواب آخرون أن انسحابهم جاء "تضامناً إنسانياً ومن أجل كرامة وزير"، خصوصاً أن القانون يتصل بملفات أمنية وعسكرية وقضائية حساسة.

بري في قلب الاتصالات... ولقاء لاحتواء الأزمة

ومع تصاعد التوتر، دخل رئيس مجلس النواب نبيه بري على خط المعالجة، في محاولة لمنع الخلاف من تعطيل التشريع.

وفي هذا الإطار، عُقد اجتماع ضمّ بري ورئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى، بالتوازي مع اتصالات مع قيادة الجيش، بهدف إعادة ضبط مسار الجلسة والتوصل إلى صيغة تسمح بتمرير القانون.

وكان بري قد أعلن أن التواصل قائم مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل، مشيراً إلى أن الأجواء "جيدة"، وأن هناك اتفاقاً على تنفيذ ما تم التوافق عليه في اليوم السابق.

وبحسب مصادر نيابية تابعتها "بيروت تايمز"، فإن الاتصالات السياسية والأمنية التي جرت في الساعات الأخيرة ساهمت في تفكيك عدد من العقد التي كانت تهدد بإسقاط القانون، والوصول إلى صيغة متوازنة تسمح بإقراره مع الحفاظ على الاستثناءات التي نص عليها.

العفو العام... إقرار بعد مخاض طويل

وبعد استكمال النقاش، أُقر قانون العفو العام بالمناداة، مع تعديلات أساسية طاولت مدد العقوبات وشروط إخلاء السبيل وبعض الأحكام المرتبطة بالحق الخاص والمحاكمات.

ومن أبرز التعديلات التي أُدخلت على الصيغة:

- خفض المدة المعتمدة لإخلاء السبيل في بعض الحالات من 14 سنة سجنية إلى 12 سنة.

- حذف كلمة "مبرم" من النص المتعلق بالأحكام، بما يغيّر نطاق الاستفادة بالنسبة إلى بعض الموقوفين الذين لم يصدر بحقهم حكم.

- إدخال تعديلات على المواد المتعلقة بالحق الخاص وإجراءات المحاكمة خارج السجن.

- تعديل بعض الأحكام المرتبطة بالعقوبات المشددة.

- الإبقاء على الاستثناءات الواردة في القانون بالنسبة إلى عدد من الجرائم والملفات.

- إدخال تعديلات مرتبطة بالعقوبات المؤبدة والإعدام، بما يعيد رسم الحدود القانونية للاستفادة من أحكام العفو وفق الحالات التي حددها النص النهائي.

وقال النائب نبيل بدر إن البلاد "ستشهد ولادة قانون العفو العام بعد مسار طويل ومخاض لا ينتهي"، فيما أكد النائب الياس بو صعب أن القانون أُنجز "بجهد"، مشيراً إلى أن النواب الذين عملوا عليه "تحملوا ما لا يُحتمل"، وموجهاً الشكر إلى النواب الذين شاركوا في إنجازه.

ماذا يعني القانون للسجناء والموقوفين؟

يشكل إقرار القانون محطة بارزة في ملف السجون اللبنانية، في ظل الاكتظاظ الكبير وتأخر المحاكمات وطول فترات التوقيف التي تحوّلت إلى واحدة من أبرز الأزمات التي تواجه العدالة الجزائية في لبنان.

وبموجب الصيغة النهائية، ستتولى الجهات القضائية المختصة دراسة الملفات حالة بحالة، للتأكد من انطباق شروط العفو أو تخفيض العقوبة على كل موقوف أو محكوم، وفقاً للاستثناءات والإجراءات التي نص عليها القانون.

وبحسب مصادر نيابية متابعة تحدثت إلى "بيروت تايمز"، فإن القانون سيفتح الباب أمام الإفراج عن عدد من الموقوفين الإسلاميين، فيما تبقى الاستفادة مرتبطة بالتدقيق في كل ملف وبالشروط التي أقرها المجلس.

أحمد الأسير... عقدة بقيت حاضرة

أما ملف الشيخ أحمد الأسير، فبقي من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال النقاشات التي سبقت إقرار القانون.

وقد دار نقاش سياسي وقانوني واسع حول مدى استفادته من الصيغة النهائية، ولا سيما في ضوء التعديلات التي طاولت مدد العقوبات وشروط إخلاء السبيل.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الصيغة النهائية لا تؤدي إلى خروجه الفوري من السجن، خلافاً لما أشيع خلال مراحل النقاش، فيما يبقى تحديد مصيره مرتبطاً بالتطبيق القضائي الدقيق للنص النهائي وبالأحكام الصادرة بحقه.

وكانت النائبة غادة أيوب قد أثارت في وقت سابق مسألة عدم معالجة وضع الأسير بصورة مباشرة في قانون العفو، متسائلة عن أسباب اللجوء إلى قوانين أخرى لمعالجة أوضاع المحكومين بالإعدام بدلاً من حسم المسألة ضمن قانون العفو نفسه.

المبعدون إلى إسرائيل... تسوية منفصلة

وفي ملف آخر، برزت مسألة اللبنانيين الذين غادروا إلى الأراضي المحتلة بعد تحرير الجنوب عام 2000.

وبحسب مصدر نيابي متابع، فإن معالجة هذا الملف قد تتم من خلال المراسيم التطبيقية للقانون رقم 194 الصادر عام 2011، وليس بالضرورة عبر أحكام العفو العام بصورة مباشرة.

وكانت النائبة بولا يعقوبيان قد اقترحت ربط الاستفادة من التسوية بالتنازل عن الجنسية الإسرائيلية، في إطار معالجة ملف المبعدين وعائلاتهم، والذي يضم عدداً كبيراً من اللبنانيين الذين غادروا البلاد بعد التحرير.

كما أعلنت النائبة غادة أيوب إدخال مادة تعطي اللبنانيين الذين "لجأوا إلى إسرائيل" عام 2000 الحق في العودة إلى لبنان، ضمن المعالجة التي رافقت إقرار قانون العفو العام.

تكبيرات من رومية... وفرحة في طرابلس

وبعيداً عن أجواء مجلس النواب، انعكست أخبار إقرار القانون سريعاً داخل عدد من السجون والمناطق اللبنانية.

فقد عمّت التكبيرات والهتافات أرجاء سجن رومية بعد وصول خبر إقرار قانون العفو العام، وسط أجواء من الفرح بين عدد من السجناء الذين انتظروا سنوات طويلة لمعرفة مصيرهم.

وتداول ناشطون ومواقع إعلامية مشاهد من داخل السجن تظهر التكبيرات والهتافات احتفالاً بإقرار القانون، في صورة تختصر حجم الانتظار الذي عاشه الموقوفون وعائلاتهم طوال سنوات.

وفي طرابلس، وزّع مواطنون البقلاوة احتفالاً بإقرار القانون، في مشهد عكس أهمية الملف بالنسبة إلى عائلات ومجتمعات كانت تترقب صدور التشريع منذ سنوات.

لكن الاحتفال لا يعني أن جميع الموقوفين سيخرجون فوراً، إذ إن بدء تنفيذ القانون يستلزم استكمال الإجراءات الدستورية ونشره في الجريدة الرسمية، ثم قيام القضاء المختص بدراسة الملفات وتحديد المستفيدين وفقاً لشروط القانون.

قانون يقرّ... وأزمة سياسية لا تنتهي

ورغم إقرار قانون العفو العام، فإن الجلسة كشفت مجدداً حجم التباعد السياسي حول الملفات الحساسة، بعدما تحوّل الخلاف بشأن حضور وزير الدفاع إلى مواجهة حول إدارة الجلسة وصلاحيات الوزراء وحدود العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وانسحاب كتل نيابية أساسية من الجلسة شكّل رسالة سياسية واضحة، فيما بدا تدخل الرئيس بري والاتصالات التي رافقت الساعات الأخيرة محاولة لمنع الخلاف من التحول إلى أزمة مؤسساتية مفتوحة.

وفي المقابل، يفتح القانون مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، عنوانها التطبيق. فالقضاء والأجهزة المختصة سيكونان أمام مئات الملفات التي تحتاج إلى تدقيق، فيما ستبرز تباعاً الأسئلة حول المستفيدين والاستثناءات وكيفية احتساب مدد العقوبات والتوقيف. وهكذا، خرج قانون العفو العام من عنق الزجاجة بعد مخاض تشريعي وسياسي طويل، لكنه لم يخرج من دائرة الجدل.

فبين فرحة السجناء وعائلاتهم، وتكبيرات رومية، واحتفالات طرابلس، وبين الانقسامات السياسية والسجالات الدستورية، يبدأ لبنان مرحلة جديدة في واحد من أكثر ملفاته حساسية: ملف السجون والموقوفين والمحكومين، وما يرتبط به من عدالة وحقوق ومصالحة وطنية.

والسؤال الذي يبقى مفتوحاً:

هل يشكل العفو العام بداية لمعالجة جذرية لأزمة السجون والتوقيفات الطويلة، أم أن مرحلة التطبيق ستفتح فصولاً جديدة من السجالات القضائية والسياسية؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment