الصراع الصفري بين محور إيران وأمريكا.. هل يدمر الشرق الأوسط اقتصاد العالم؟

08/12/2026 - 08:09 AM

Jonathan Amireh

 

 

بقلم د. محمد نصار

لم يعد الصراع بين إيران والولايات المتحدة مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية تدور رحاها في الشرق الأوسط، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد العالمي على تحمل صدمة جيوسياسية جديدة، في وقت يعاني فيه العالم أصلًا من اضطرابات في التجارة وسلاسل الإمداد وارتفاع مستويات الديون وتزايد حالة عدم اليقين.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: إلى أين يتجه هذا الصراع؟ وهل يمكن أن يتحول من أزمة إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية واسعة النطاق؟

المؤشرات الحالية لا تبعث على الاطمئنان. فقد أدت اضطرابات حركة الطاقة في المنطقة، ولا سيما حول مضيق هرمز، إلى ضغط كبير على أسواق النفط والغاز. وتشير بيانات حديثة إلى أن نحو 5.5 مليون برميل يوميًا من إنتاج النفط في الشرق الأوسط خرجت من السوق خلال يوليو، فيما تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية استمرار إغلاق جزء من الإنتاج الإقليمي حتى عام 2027.

وهنا تكمن خطورة الصراع؛ فالشرق الأوسط ليس مجرد منطقة جغرافية تشهد نزاعًا سياسيًا، وإنما يمثل أحد أهم مفاتيح الطاقة والتجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي أشار إلى أن ما يقرب من 25 إلى 30% من تجارة النفط العالمية، ونحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، تمر عبر مضيق هرمز، بما يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيه أزمة تتجاوز حدود المنطقة.

الاقتصاد العالمي أمام معادلة صعبة

إذا استمر الصراع لفترة طويلة، فإن العالم قد يدخل في دائرة اقتصادية خطيرة تبدأ بارتفاع أسعار الطاقة، ثم ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، وصولا إلى زيادة أسعار السلع والخدمات، وهو ما يعني عودة الضغوط التضخمية في العديد من الاقتصادات.

وفي المقابل، ستضطر البنوك المركزية إلى التعامل مع معادلة شديدة التعقيد: هل ترفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، أم تخفضها لدعم النمو والاستثمار؟

رفع الفائدة يعني إبطاء الاقتصاد والاستثمار، بينما خفضها في ظل ارتفاع التضخم قد يزيد الضغوط على العملات والأسواق.

وهكذا يمكن أن يتحول الصراع العسكري إلى صراع اقتصادي عالمي غير مباشر.

صندوق النقد الدولي كان قد حذر من أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يؤدي إلى نمو أبطأ، وتضخم أعلى، وتشديد للأوضاع المالية، مؤكدًا أن المخاطر على الاقتصاد العالمي تميل بصورة واضحة إلى الجانب السلبي.

من يدفع فاتورة الصراع؟

المفارقة أن أطراف الصراع نفسها ليست بالضرورة المستفيد الأكبر من استمرار الحرب.

إيران تواجه ضغوطًا اقتصادية وعقوبات وتحديات في تصدير الطاقة، بينما تتحمل الولايات المتحدة تكلفة عسكرية واقتصادية وسياسية متزايدة. أما دول المنطقة، فهي الأكثر تعرضًا لخطر تراجع الاستثمارات والسياحة والتجارة وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.

لكن الخطر الأكبر يقع على الدول النامية والاقتصادات المستوردة للطاقة، خصوصًا في آسيا وأفريقيا ، فارتفاع أسعار النفط لا يعني فقط زيادة سعر البنزين، وإنما يعني ارتفاع تكلفة كل شيء تقريبًا: النقل، الزراعة، الأسمدة، الصناعات، الغذاء، والخدمات.

ولهذا فإن الأزمة قد تتحول تدريجيًا من أزمة نفط إلى أزمة معيشة عالمية.

هل يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل الصدمة؟

حتى الآن، أثبت الاقتصاد العالمي قدرًا من المرونة ، وكان صندوق النقد الدولي قد أشار في يونيو إلى أن الاقتصاد العالمي ظل صامدًا أمام صدمة الحرب، رغم ارتفاع أسعار السلع والطاقة واضطرابات الأسواق وسلاسل الإمداد.

لكن المرونة لا تعني القدرة على تحمل حرب مفتوحة بلا نهاية ، فالاقتصاد العالمي يستطيع التعامل مع صدمة مؤقتة، لكنه يواجه صعوبة أكبر عندما تتحول الصدمة إلى واقع دائم.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ليس ارتفاع أسعار النفط وحده هو المشكلة، وإنما مدة استمرار الاضطراب ، إذا عادت حركة الملاحة والطاقة إلى طبيعتها، فقد تستوعب الأسواق الأزمة تدريجيًا.

أما إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، وتوسعت الهجمات على المنشآت النفطية والموانئ وسفن الشحن، فإن العالم قد يواجه مرحلة جديدة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وتباطؤ النمو.

المشكلة أن منطق "الصراع الصفري" الذي يفترض أن انتصار طرف يعني بالضرورة هزيمة الطرف الآخر، قد يكون أخطر ما يواجه المنطقة ، ففي عالم مترابط اقتصاديًا، لا توجد حرب إقليمية معزولة.

الصاروخ الذي يستهدف منشأة نفطية في المنطقة قد ينعكس بعد ساعات على أسعار الوقود في أوروبا وآسيا وأفريقيا ، والسفينة التي تتوقف في مضيق استراتيجي قد تؤدي إلى ارتفاع تكلفة النقل في دول تبعد آلاف الكيلومترات عن الشرق الأوسط ، والشركة التي ترتفع تكاليف إنتاجها بسبب الطاقة قد ترفع أسعار منتجاتها في أسواق عالمية مختلفة ، وهكذا يتحول الصراع الجغرافي إلى سلسلة من الصدمات الاقتصادية المتتابعة.

هل يقترب العالم من أزمة اقتصادية كبرى؟

الإجابة: ليس بالضرورة، لكن الخطر أصبح حقيقيًا إذا استمرت الحرب واتسعت جغرافيا ، فالاقتصاد العالمي اليوم لديه أدوات دفاعية لم تكن متاحة في أزمات سابقة، من الاحتياطيات الاستراتيجية للطاقة إلى تنويع مصادر الإمداد، إضافة إلى قدرة الدول الكبرى على التدخل لدعم الأسواق ، لكن هذه الأدوات ليست بلا حدود.

وكلما طال أمد الصراع، ارتفعت تكلفة استخدام تلك الاحتياطيات، وتراجعت قدرة الحكومات على حماية المستهلكين والشركات من التضخم ، والأخطر أن استمرار الحرب قد يدفع العالم إلى مزيد من الانقسام الاقتصادي بين كتل متنافسة، وهو ما يعني تراجع التجارة الحرة وزيادة القيود على التكنولوجيا والاستثمارات والطاقة.

السيناريو الأفضل هو التوصل إلى تسوية سياسية تعيد فتح طرق التجارة والملاحة وتضمن تدفق الطاقة، لأن استمرار المواجهة لا يخدم اقتصاد المنطقة ولا الاقتصاد العالمي.

أما السيناريو الأسوأ فهو تحول الشرق الأوسط إلى ساحة صراع طويلة الأمد بين قوى دولية وإقليمية، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل أسواق الطاقة والتجارة والتحالفات الاقتصادية ، وفي هذه الحالة، قد لا يكون السؤال: هل سيدخل العالم في أزمة اقتصادية؟

بل يصبح السؤال: كم ستستمر الأزمة، ومن سيدفع ثمنها؟

فالاقتصاد العالمي لن ينهار بالضرورة بسبب حرب واحدة، لكنه قد يدخل مرحلة طويلة من التضخم، وتباطؤ النمو، وارتفاع تكلفة الطاقة، واضطراب التجارة، إذا تحولت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة إلى صراع مفتوح بلا أفق سياسي.

وفي النهاية، فإن أكبر خاسر في الحروب الممتدة ليس طرفًا واحدًا، وإنما الاقتصاد العالمي والشعوب التي تدفع ثمن ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل والاستثمار والاستقرار.

إن الشرق الأوسط يحتاج اليوم إلى منطق التسويات لا منطق كسر العظام، وإلى بناء منظومة أمن إقليمي قادرة على حماية الممرات التجارية ومصادر الطاقة، لأن استمرار الصراع الصفري قد يجعل الجميع خاسرًا، حتى من يعتقد أنه خرج منتصرًا.

فالشرق الأوسط يستطيع أن يتحمل حربًا محدودة، لكن الاقتصاد العالمي قد لا يحتمل حربًا بلا نهاية.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment