ترامب والحزب الجمهوري... هل خسرا المعركة السياسية الأميركية؟

08/12/2026 - 06:08 AM

Your Ad Here

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز

حين تُقرأ التحولات الجارية في الشرق الأوسط بعيداً عن ضجيج التصريحات اليومية، تبدو المسألة أكثر تعقيداً من كونها سلسلة من الانتصارات أو الهزائم العسكرية. فالقوة الكبرى لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحرب، بل بقدرتها على تحديد شكل النظام الذي سيولد بعدها.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يطرح بعض المراقبين سؤالاً بالغ القسوة على السياسة الخارجية الأميركية في عهد دونالد ترامب: هل ارتكبت واشنطن في الشرق الأوسط خطأً استراتيجياً يوازي، من حيث النتائج بعيدة المدى، أخطاء إدارة جورج دبليو بوش في العراق؟

قد يكون من المبكر إصدار حكم نهائي، لكن المؤشرات السياسية بدأت تسمح بمناقشة السؤال بجدية.

من أكثر التطورات إثارة للاهتمام الاتفاق بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، ولا سيما الدفاعية والتنسيق الاستراتيجي التي أخذت تتبلور بين هذه القوى.

المسألة هنا ليست في الاتفاق نفسه بقدر ما تكشفه من اتجاه أعمق: الدول الإقليمية بدأت تتصرف على أساس أن أمنها لا يمكن أن يبقى رهينة للدور الأميركي وحده. وهذا تطور بالغ الأهمية.

فبريطانيا، التي خبرت الشرق الأوسط طوال قرن من الزمن، تعرف أكثر من غيرها أن العلاقات بين تركيا والعالم العربي لم تكن مجرد خلافات تاريخية عابرة، وأن إعادة بناء الجسور بين أنقرة والرياض يمكن أن تعني، في لحظة معينة، ولادة منظومة إقليمية جديدة.

وإذا كان القرن الماضي قد شهد نظاماً إقليمياً صاغته القوى الغربية، فإن القرن الحالي قد يشهد نظاماً تسعى القوى الإقليمية نفسها إلى صياغته. وهنا تكمن المشكلة الأميركية.

فحين تبدأ الدول الحليفة أو الصديقة في بناء ترتيبات أمنية لا تحتاج بالضرورة إلى الولايات المتحدة لكي تستمر، فإن السؤال لا يعود: ماذا ستفعل أميركا؟ بل يصبح: هل ما زالت المنطقة تحتاج إلى أميركا بالطريقة التي كانت تحتاج إليها من قبل؟

أما باكستان، فإن اختزال سياستها الخارجية في انتمائها إلى العالم السني أو في علاقاتها التاريخية مع الولايات المتحدة قد يكون قراءة ناقصة.

فباكستان دولة تمتلك السلاح النووي، وجيشاً ذا نفوذ سياسي تاريخي، وعلاقات عميقة مع الصين، وصلات استراتيجية وثقافية مع العالم الإسلامي، وعلاقة خاصة بإيران، فضلاً عن موقع جغرافي يجعلها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة آسيوية جديدة.

ولهذا فإن التقارب السعودي ــ الباكستاني لا ينبغي قراءته فقط من زاوية العلاقات الثنائية، بل ضمن السؤال الأكبر: هل تتشكل شبكة أمن إقليمية جديدة تتقاطع فيها مصالح تركيا والسعودية وباكستان وإيران بدرجات مختلفة، فيما يتراجع الاعتماد على المظلة الأميركية؟

كما تبين خلال المفاوضات الامريكية الايرانية في باكستان، بان علاقة باكستان بإيران أكثر تعقيداً مما توحي به التصنيفات الطائفية التقليدية، وأن إسلام آباد أثبتت في محطات عديدة أنها تملك ميلا كبيرا اتجاه ايران. وهذا الهامش هو ما يجب أن يقلق واشنطن، لا التصنيفات المذهبية.

اما تركيا وبدورها الجديد لم تعد الدولة التي كانت قبل عقدين، فأنقرة تنظر إلى نفسها اليوم باعتبارها قوة إقليمية لها مصالح في البلقان والقوقاز والشرق الأوسط وشرق المتوسط، ولا تريد أن تبقى مجرد عضو في منظومة أمنية يقودها الآخرون.

ولذلك فإن علاقتها بحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي لا يمكن فهمها بمنطق الانضمام أو عدم الانضمام فقط. تركيا تريد مقابلاً سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً لحجم دورها. إنها تفاوض الغرب من داخل مؤسساته، لكنها في الوقت نفسه تبني أوراقها خارجه. وهذا تحديداً ما يجعل الدور التركي أكثر إزعاجاً لإسرائيل.

فتركيا لم تعد مجرد دولة حدودية لسوريا؛ بل اصبحت داخلها، ولها التأثير الكبير في ملفات تمتد من دمشق إلى غزة، ومن شرق المتوسط إلى لبنان. وبذلك قد يجد الإسرائيلي نفسه أمام مفارقة تاريخية: فحماس "الاخوان المسلمين" التي حاولت إسرائيل محاصرتها في غزة، وجدت اسرائيل نفسها محاصرة بهم بصورة مباشرة، ومن منافذ سياسية وجغرافية متعددة. وهنا تصبح الصورة مختلفة تماماً عن الرواية التي تقدمها الحكومات المتعاقبة باعتبار أن كل عملية عسكرية تؤدي تلقائياً إلى زيادة الأمن الإسرائيلي.

في سوريا، تبدو المسألة أكثر تعقيداً.

إن الرئيس أحمد الشرع، وفق هذا المنظور، لا يواجه فقط مشكلة إدارة الدولة، بل مشكلة إعادة بناء الدولة نفسها. فالجيش السوري، بصورته التاريخية، تعرض لتدمير كامل خلال سنوات الحرب وما قامت فيه اسرائيل مؤخرا، وهي بنية عسكرية لم تكن وليدة لحظة، بل نتاج عقود طويلة من البناء والإنفاق والتراكم المؤسساتي. وكان يمكن، لو بقيت تلك القدرات العسكرية متماسكة، أن تشكل إحدى أهم أوراق أي قيادة سورية جديدة في التفاوض مع القوى الإقليمية والدولية. لكن انهيار القوة العسكرية يخلق فراغاً لا يملؤه الخطاب السياسي وحده.

والأكثر خطورة هو أن الحكومة السورية فقدت، العديد من الأوراق التي كان النظام السابق يستخدمها للحفاظ على توازناته الخارجية. فالورقة المسيحية كانت، لعقود، جزءاً من الصورة التي قدم بها النظام السوري نفسه كحاجز أمام الفوضى الإسلامية المتطرفة. والورقة الدرزية كانت مرتبطة مباشرة بالتوازنات في الجنوب وبالعلاقة مع إسرائيل. والورقة العلوية كانت تشكل قاعدة اجتماعية وعسكرية وسياسية أساسية للنظام السابق، إضافة إلى امتداداتها الإقليمية وتحديدا في تركيا.

أما العلاقة مع إيران وحزب الله والعراق، فكانت تمثل ورقة استراتيجية أخرى في السياسة السورية، مهما اختلفت دوافعها أو طبيعتها.

اليوم، فقدت دمشق هذه الأوراق كلها، مما يعني بانها لا تدخل مرحلة قوة جديدة، بل تدخل مرحلة يكون فيها اعتمادها على الخارج أكبر من قدرتها على التأثير فيه.

وهذا هو جوهر المعضلة.

فالورقة الوحيدة التي تمتلكها اليوم سوريا وهي الورقة الأكثر وضوحاً، هي الفصائل المسلحة المتشددة التي جاءت معها إلى الحكم.

لكن هذه الورقة تحمل في داخلها مشكلة جوهرية. فكلما ازداد اعتماد الدولة على فصيل ذي خلفية أيديولوجية ضيقة، ازداد احتمال اتساع الفجوة بينها وبين بقية مكونات المجتمع. ولا يتعلق الأمر بالأقليات وحدها.

فالسنة أنفسهم ليسوا كتلة سياسية واحدة؛ بينهم تيارات صوفية، ومدنية، وقومية، وعائلات دمشقية وحلبية عريقة، وقوى اقتصادية واجتماعية لا يمكن تجاهلها في أي مشروع مستقر للدولة السورية.

ومن هنا فإن المشكلة الحقيقية أمام دمشق ليست فقط في كيفية إدارة الأقليات، بل في كيفية بناء دولة يشعر جميع السوريين بأنها دولتهم.

إسرائيل أمام شرق أوسط مختلف

أما إسرائيل، فتواجه مشكلة أكثر عمقاً من نتائج أي حرب منفردة. فإذا كان الهدف الاستراتيجي للحروب الأخيرة هو منع تشكل جبهة إقليمية موحدة ضدها، فإن التحولات الحالية قد تنتج، بصورة غير مباشرة، شيئاً مختلفاً.

تركيا تتحرك.

السعودية تعيد تعريف أمنها.

باكستان تبحث عن موقع أكبر.

إيران لا تزال تحتفظ بقدرتها على التأثير الإقليمي.

وسوريا تبحث عن صيغة جديدة للدولة.

وفي المقابل، تزداد حاجة أوروبا إلى الطاقة والأمن، وتتعقد علاقتها بروسيا والولايات المتحدة. هذه ليست صورة شرق أوسط انهارت فيه موازين القوى. إنها صورة شرق أوسط يعاد فيه توزيعها. وهنا نصل إلى دونالد ترامب.

المشكلة الأساسية أمام ترامب ليست أنه خسر حرباً محددة، بل أنه قد يواجه احتمالاً أخطر: أن يربح مواجهات تكتيكية ويخسر البيئة الاستراتيجية التي كان يريد التحكم بها. فالسياسة الخارجية لا تُقاس بعدد الصواريخ التي أطلقت، ولا بعدد المنشآت التي دمرت، بل بالوضع الذي تستيقظ عليه الدولة بعد انتهاء العمليات.

إذا كانت الحرب على إيران قد دفعت حلفاء الولايات المتحدة إلى التقارب من بعضهم والابتعاد عنها، وأعادت تنشيط روسيا، وأضعفت قدرة أوروبا على المناورة، ودفعت حلفاء واشنطن إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر استقلالاً، فإن السؤال يصبح مشروعاً:

وهذا سؤال مختلف تماماً.

فالولايات المتحدة قد تكون القوة العسكرية الأكبر في العالم، لكنها لا تستطيع أن تفرض على التاريخ أن يتحرك وفق إرادتها. وقد تكون أخطر نتائج السياسة الأميركية الحالية أنها دفعت بعض الدول التي كانت تعتمد على واشنطن إلى التفكير للمرة الأولى في عالم تستطيع فيه أن تتحرك من دونها. أما في الداخل الأميركي، فإن الحساب سيكون أكثر قسوة.

الحزب الجمهوري يستطيع الدفاع عن قرارات ترامب طالما أن النتائج تبدو في صورة انتصار. لكن السياسة الأميركية لا تحاكم الرئيس على النوايا، بل على النتائج. إذا ارتفعت كلفة الطاقة، واتسعت الأعباء العسكرية، وتراجعت قدرة واشنطن على التحكم بحلفائها، واستعادت روسيا مساحة للمناورة، وبدأت أوروبا تبحث عن استقلال استراتيجي أكبر، فإن الناخب الأميركي لن يسأل عن تعقيدات الجغرافيا السياسية.

سيسأل سؤالاً أبسط:

ماذا حصلت أميركا في المقابل؟ ومن هنا فإن الانتخابات النصفية المقبلة قد تتحول إلى استفتاء غير مباشر على سياسة ترامب الخارجية.

لكن الجزم الآن بأن الحزب الجمهوري سيخسر؛ فالسياسة الأميركية شديدة التقلب، وما يبدو اليوم اتجاهاً ثابتاً قد يتغير خلال أشهر.

غير أن المؤكد أن ترامب دخل مرحلة أصعب بكثير، مما كانت عليه قبل دخول الحرب على ايران والمتغيرات الاقليمية.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment