وإن بكى... فمعه أكثر - حين تُمنع كلمة وزير الدفاع، ماذا يبقى من هيبة الدولة؟

08/12/2026 - 05:59 AM

Arab American Target

 

بقلم: فرنسوا الجردي

لم تكن المسألة، في ما جرى أمس داخل مجلس النواب، مجرد خلاف عابر بين رئيس الحكومة ووزير في حكومته، ولا مجرد تفصيل إجرائي يمكن تجاوزه بكلمتين عن الدستور والصلاحيات.

المسألة أعمق من ذلك بكثير.

إنها تتعلق بصورة الدولة، وهيبة مؤسساتها، وحدود ممارسة السلطة، واحترام موقع الوزير، وحق كل وزارة، وخصوصًا وزارة الدفاع، في أن تُسمع موقفها عندما يكون المجلس النيابي أمام تشريع يمسّ مباشرةً الأمن الوطني والجيش والمؤسسة العسكرية.

لقد شهدت الجلسة التشريعية توترًا على خلفية رغبة وزير الدفاع ميشال منسى في إبداء موقف وزارة الدفاع والجيش من قانون العفو العام، قبل أن يغادر الجلسة. وقد أثار ذلك جدلًا سياسيًا واسعًا، فيما قدّم رئيس الحكومة لاحقًا توضيحًا لما جرى.

لكن بعيدًا عن التبريرات والتفسيرات، يبقى السؤال الأكبر:

هل احترام الدستور يعني إسكات الوزير، أم تنظيم آلية تعبيره ضمن الأصول الدستورية؟

وزير الدفاع ليس وزيرًا عاديًا عندما يتعلق الأمر بالجيش اللبناني.

وزير الدفاع ليس مجرد عضو في مجلس الوزراء يحمل حقيبة إدارية.

إنه الوزير المسؤول سياسيًا عن واحدة من أهم مؤسسات الدولة السيادية: الجيش اللبناني.

وعندما يكون النقاش أمام مجلس النواب متعلقًا بالعفو العام، وبالجرائم والقضايا التي يمكن أن تكون لها انعكاسات مباشرة على المؤسسة العسكرية والأمن الوطني، يصبح من الطبيعي أن يكون لوزير الدفاع رأي واضح ومسموع.

ليس دفاعًا عن شخص ميشال منسى. بل دفاعًا عن موقع وزير الدفاع. ودفاعًا عن حق المؤسسة العسكرية بأن يكون موقفها حاضرًا في نقاش تشريعي يمسّها بصورة مباشرة. فالجيش ليس تفصيلًا سياسيًا، وليس ورقة في بازار المصالح، وليس مؤسسة يمكن أن يُختصر موقفها بجملة عابرة.

نعم، رئيس الحكومة يمثل الحكومة... ولكن!

من حق رئيس الحكومة أن يتمسك بالدستور، ومن حقه أن يقول إن الحكومة تتحدث بموقف موحد أمام مجلس النواب. وهذا المبدأ، من حيث الأصل، مفهوم في النظام البرلماني.

لكن الدستور لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإلغاء اللياقة السياسية، ولا إلى وسيلة لإحراج وزير، ولا إلى ذريعة لتحويل مجلس النواب إلى مساحة صمت مفروض على الوزراء. حتى لو كان رئيس الحكومة هو الذي يمثل الحكومة أمام مجلس النواب، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو:

لماذا لا يُترك للوزير المعني أن يشرح موقف وزارته، ثم يتولى رئيس الحكومة تحديد الموقف الحكومي النهائي؟

أين المشكلة في أن يستمع المجلس إلى وزير الدفاع؟

أين المشكلة في أن يقول الوزير: هذا هو رأي وزارة الدفاع؟

ثم يأتي رئيس الحكومة ليؤكد: وهذا هو الموقف النهائي للحكومة؟

هكذا تُمارس السياسة. وهكذا تُحترم المؤسسات. وهكذا تُدار الاختلافات داخل السلطة التنفيذية من دون تحويلها إلى مواجهة شخصية.

وهل كان يمكن أن يحصل الأمر نفسه مع وزراء آخرين؟ هنا تكمن أكثر النقاط حساسية. لنطرح السؤال بصراحة، ولكن من دون أحكام مسبقة:

لو كان الوزير المعني وزير المالية، أو وزير الصحة، أو أي وزير آخر محسوب على قوة سياسية وازنة، فهل كان سيُمنع بالطريقة نفسها من التعبير عن موقف وزارته أمام المجلس؟

هذا السؤال ليس طائفيًا بحد ذاته. بل يصبح طائفيًا عندما تكون المعايير مختلفة بين وزير وآخر بسبب موقعه السياسي أو الطائفي أو الجهة التي ينتمي إليها. ولذلك فإن المطلوب ليس حماية وزير الدفاع لأنه محسوب على رئيس الجمهورية، ولا مهاجمة رئيس الحكومة لأنه من موقع آخر. المطلوب هو شيء واحد:

قاعدة واحدة للجميع.

إذا كان الدستور يفرض آلية معينة، فلتُطبَّق على الجميع. وإذا كانت الأعراف السياسية تسمح بهامش من التعبير للوزراء، فليكن هذا الهامش متاحًا للجميع. أما أن يشعر اللبنانيون بأن هناك وزراء يستطيعون فرض حضورهم، فيما يُطلب من وزير آخر الصمت، فهذه هي المشكلة الحقيقية.

لماذا وزير الدفاع تحديدًا؟ وهنا السؤال السياسي الذي لا يجوز الهروب منه:

لماذا كل هذه الخشونة في التعامل مع وزير الدفاع؟

هل لأن الوزير محسوب على حصة رئيس الجمهورية؟

هل لأن موقفه كان يمكن أن يحرج بعض القوى السياسية؟

هل لأن موضوع العفو العام بالغ الحساسية؟

أم أن المسألة لا تتعدى تفسيرًا دستوريًا صارمًا أراد رئيس الحكومة تطبيقه؟

كل هذه الاحتمالات مطروحة. لكن ما ليس مقبولًا هو أن يبقى المشهد بلا تفسير سياسي واضح، ثم يُطلب من الناس ببساطة أن ينسوا ما شاهدوه. فالسلطة لا تُدار فقط بالنصوص. تُدار أيضًا بالحكمة. وباللياقة. وباحترام الشريك في الحكم.

الدستور لا يطبَّق على مقاس الأشخاص

أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة هو أن يتحول الدستور إلى دستور انتقائي. دستور يُستحضر عندما يناسب، ويُنسى عندما لا يناسب. دستور صارم مع وزير، ومرن مع وزير آخر. دستور يحمي صلاحيات موقع، ويتغاضى عن تجاوزات موقع آخر. هذه ليست دولة المؤسسات التي نريدها.

الدستور يجب أن يكون فوق الجميع. وفوق الحسابات. وفوق الطوائف. وفوق الأحزاب. وفوق الرئاسات نفسها. وإذا كان هناك نص دستوري واضح، فليُشرح للبنانيين بهدوء، وليُطبّق على الجميع من دون استثناء.

أما إذا كانت المسألة تحتمل الاجتهاد، فالحل ليس كسر الوزير أمام مجلس النواب، بل الاحتكام إلى الأصول الدستورية والسياسية التي تحفظ ماء وجه الجميع.

ووزير الدفاع... لماذا غادر؟

إن خروج وزير الدفاع من الجلسة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره هروبًا أو عجزًا. بل يمكن قراءته، سياسيًا، باعتباره موقفًا احتجاجيًا على طريقة إدارة النقاش.

وزير الدفاع الذي أراد أن ينقل موقف المؤسسة التي تقع ضمن مسؤوليته السياسية، ثم وجد نفسه أمام إشكال حول حقه في الكلام، كان أمام خيارين:

إما أن يقبل بالأمر الواقع، وإما أن يغادر. وقد اختار المغادرة. وهنا لا بد من القول:

قد نختلف مع الوزير في موقفه، وقد نختلف مع الحكومة في موقفها، لكن لا يجوز أن نختلف على حق الوزير في أن يُعامل باحترام. فالخلاف السياسي لا يبرر الإهانة. والاختلاف الدستوري لا يبرر الخشونة. والصلاحية لا تعني الاستعلاء.

وإن بكى... فمعه أكثر

أما الكلام عن أن الوزير ميشال منسى بكى، فلا ينبغي أن يتحول إلى مادة للسخرية أو التشهير أو التقليل من شأنه. لا نملك ما يثبت هذه الرواية بصورة قاطعة، ولذلك لا يجوز بناء موقف سياسي عليها. لكن لو افترضنا أن دمعة خرجت من عين رجل حمل همّ الجيش والدولة، فما العيب في ذلك؟

هل أصبحت الدموع ضعفًا؟

هل أصبح التأثر بالوطن عجزًا؟

هل أصبح الدفاع عن مؤسسة عسكرية حملها الإنسان سنوات طويلة أمرًا يدعو إلى الخجل؟

وإن بكى... فمعه أكثر.

معه كل من يشعر أن الدولة التي حلمنا بها لا تُبنى بإسكات بعض أبنائها. معه كل من يريد دولة لا تُميّز بين وزير ووزير. معه كل من يريد جيشًا تكون كلمته مسموعة عندما يكون النقاش متعلقًا به. معه كل من يرفض أن تتحول المؤسسات إلى ساحات كسر عظم. وإن بكى... فلأنه ربما كان يحمل في تلك اللحظة أكثر من مجرد موقف سياسي.

كان يحمل مسؤولية مؤسسة. وكان يحمل صورة الجيش. وكان يحمل إحساس رجل وجد نفسه ممنوعًا من إيصال كلمة أراد أن تصل. فالدمعة، عندما تكون من أجل الوطن، ليست دائمًا علامة ضعف. أحيانًا تكون أبلغ من ألف خطاب.

إلى رئيس الحكومة: القوة ليست في إسكات الآخرين

دولة الرئيس نواف سلام،

أنت رئيس حكومة، وموقعك يفرض عليك أن تكون فوق الحسابات الصغيرة. القوة السياسية ليست في أن تمنع وزيرًا من الكلام. القوة الحقيقية هي أن تسمح له بالكلام، ثم تمارس صلاحيتك كاملة في تحديد الموقف الحكومي. القائد القوي لا يخاف من سماع رأي مختلف. والدولة القوية لا تخشى أن يتكلم وزيرها. والحكومة المتماسكة لا تنهار لأن وزيرًا شرح موقف وزارته. بل العكس تمامًا.

الحكومة التي تسمح بالاختلاف داخلها تكون أكثر قوة، لأن قرارها النهائي يكون ناتجًا عن نقاش، لا عن إسكات. ولذلك، فإن احترام وزير الدفاع لا ينتقص من صلاحيات رئيس الحكومة. بل يعززها. واحترام موقع الوزير لا يعني أن الوزير فوق رئيس الحكومة. بل يعني أن الجميع تحت سقف الدستور. لا نريد دولة فيها "أوادم" وأخرى فيها "أقوياء".

لبنان لا يحتاج إلى معايير مزدوجة.

لا يحتاج إلى وزير مسموح له أن يرفع صوته، وآخر مطلوب منه أن يصمت.

لا يحتاج إلى فريق يستطيع فرض شروطه، وفريق آخر يُطلب منه الالتزام بالحرف والنص والقاعدة.

لا يحتاج إلى دولة تتذكر الدستور عندما يناسبها، وتنسى الأعراف عندما لا تناسبها.

نحن بحاجة إلى دولة تقول:

الوزير وزير.

والحقيبة حقيبة.

والدستور دستور.

والقانون قانون.

والمعيار واحد للجميع.

وإذا كان المطلوب بناء دولة فعلية، فالبداية تكون من هنا. من طريقة تعاملنا مع بعضنا داخل مؤسسات الدولة. أخطر من العفو العام... هو سقوط هيبة المؤسسات. قد يختلف اللبنانيون على قانون العفو العام. وقد تختلف القوى السياسية حول من يشمله ومن يستثنى منه. وهذا أمر طبيعي في الحياة السياسية. لكن الخطر الأكبر ليس في اختلاف الآراء.

الخطر في أن يشعر المواطن أن مؤسسات الدولة نفسها لم تعد تتعامل وفق معيار واحد. لأن الدولة لا تسقط فقط عندما تُحتل أراضيها. ولا تسقط فقط عندما ينهار اقتصادها. الدولة تبدأ بالسقوط عندما يفقد المواطن ثقته بأن مؤسساتها عادلة. وعندما يصبح موقع الإنسان أهم من النص. وعندما يصبح انتماؤه أهم من صلاحياته. وعندما تصبح الطائفة أقوى من الدستور.

الرسالة الأهم

المطلوب اليوم ليس تحويل ما جرى بين نواف سلام وميشال منسى إلى معركة طائفية. بل المطلوب منع تحويله إلى سابقة. لأن ما حصل اليوم مع وزير الدفاع قد يحصل غدًا مع وزير آخر. وإذا سمحنا بأن تصبح الصلاحيات وسيلة لكسر الوزراء سياسيًا، فلن يبقى من التضامن الوزاري سوى الاسم.

أما إذا كان هناك تفسير دستوري يمنح رئيس الحكومة حق تمثيل الحكومة أمام المجلس، فليكن ذلك واضحًا ومعلنًا ومحددًا، وليكن تطبيقه ثابتًا على جميع الوزراء، من دون استثناء أو انتقائية.

هذه هي دولة القانون التي نريدها. لا دولة الأشخاص. ولا دولة المحاور. ولا دولة الطوائف. ولا دولة من يملك القوة السياسية الأكبر.

وإن بكى... فمعه أكثر

في النهاية، قد يختلف اللبنانيون حول ميشال منسى. وقد يختلفون حول نواف سلام. وقد يختلفون حول العفو العام. لكن يجب ألا يختلفوا على قاعدة واحدة:

لا كرامة لدولة تهين رجالها. ولا هيبة لحكومة تُقصي وزراءها. ولا دولة مؤسسات إذا كان الدستور يُطبّق بمعيارين. وإذا كانت دمعة وزير الدفاع قد خرجت فعلًا في تلك اللحظة، فلا تجعلوا منها مادة للشماتة.

اقرأوا ما وراءها.

فربما كانت دمعة رجل شعر أن كلمة كان يريد أن يقولها باسم الجيش لم تصل. وربما كانت دمعة رجل رفض أن يتحول موقعه إلى مجرد كرسي بلا صوت. وربما كانت دمعة رجل رأى في لحظة واحدة كل ما يجب أن نصلحه في هذه الدولة.

وإن بكى... فمعه أكثر.

معه من يريد دولة يحكمها الدستور لا المزاج.

معه من يريد جيشًا واحدًا ودولة واحدة وقرارًا واحدًا.

ومعه كل لبناني يؤمن أن الاختلاف داخل المؤسسات ليس جريمة، وأن احترام الوزير لا يعني إضعاف رئيس الحكومة، وأن قوة الدولة لا تُقاس بعدد من نستطيع إسكاتهم، بل بعدد من نستطيع أن نسمح لهم بالكلام دون أن نخاف من كلامهم.

فالدولة القوية لا تخاف من كلمة  وزير. الدولة القوية تسمعها... ثم تقرر. أما إسكات الكلمة، فلا يصنع هيبة الدولة؛ بل يكشف هشاشتها.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment