الاتفاق الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان… تحوّل في موازين القوى الإقليمية والدولية

08/07/2026 - 20:32 PM

Jonathan Amireh

 

 

الصحافي جاد جوزف صليبا *

يشكّل الاتفاق الدفاعي المشترك الذي وقّعته تركيا والسعودية وباكستان في مكة المكرمة في 7 آب/أغسطس 2026 تطورًا لافتًا في الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط وجنوب آسيا. وينص الاتفاق، في جوهره، على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، بما يعكس مبدأ الردع الجماعي المعروف في بعض التحالفات الدولية. ويأتي هذا التطور في لحظة شديدة الحساسية إقليميًا، مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب مع إيران والهجمات المنسوبة إلى جماعات حليفة لها، ولا سيما في اليمن. 

تكمن أهمية الاتفاق أولًا في الثقل الاستراتيجي للدول الثلاث. فالسعودية تمتلك وزنًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا في العالم العربي، فضلًا عن موقعها الجغرافي وتأثيرها في أسواق الطاقة. أما تركيا فتتمتع بقدرات عسكرية وصناعية متقدمة، وبموقع جغرافي يربط الشرق الأوسط بأوروبا وآسيا، وهي أيضًا عضو في حلف شمال الأطلسي. باكستان من جهتها تضيف إلى هذا التكتل وزنًا عسكريًا كبيرًا، فضلًا عن كونها دولة نووية. وبالتالي، فإن اجتماع هذه القدرات الثلاث يمنح الاتفاق أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، ويوفر شبكة أمنية تمتد جغرافيًا من الخليج والشرق الأوسط إلى جنوب آسيا. 

ولا يمكن فهم الاتفاق الجديد بمعزل عن التطور التدريجي للعلاقات السعودية-الباكستانية. ففي أيلول/سبتمبر 2025 وقّعت الرياض وإسلام آباد اتفاقًا للدفاع المشترك، ينص أيضًا على أن الاعتداء على إحدى الدولتين يُعد اعتداءً على الأخرى. وكان ذلك الاتفاق خطوة مهمة في إعادة صياغة العلاقة الأمنية بين البلدين، قبل أن تدخل تركيا لاحقًا في هذا المسار الثلاثي. 

قطب امني جديد-

أما على المستوى الإقليمي، فإن التأثير الأبرز يتمثل في احتمال نشوء قطب أمني جديد لا يعتمد بصورة كاملة على الضمانات الخارجية التقليدية. فالسعودية التي اعتمدت لعقود على الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، تبدو أكثر اهتمامًا بتنويع علاقاتها الاستراتيجية. وفي المقابل، تسعى تركيا إلى توسيع نفوذها الإقليمي، بينما ترى باكستان في الشراكة مع الرياض وأنقرة فرصة لتعزيز مكانتها السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط. لذلك يمكن النظر إلى الاتفاق باعتباره جزءًا من اتجاه أوسع نحو بناء قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية الإقليمية. 

لكن الاتفاق يحمل أيضًا رسائل واضحة إلى إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. فإيران التي تواجه أصلًا توترات أمنية متزايدة في المنطقة، وتخوض حربًا مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تنظر إلى هذا النوع من الترتيبات بحذر، وقد صدرت بالفعل انتقادات إيرانية للاتفاق لناحية اعتباره غير كافٍ لتوفير الأمن للسعودية. وفي الوقت نفسه، لا يعني الاتفاق بالضرورة أنه تحالف موجّه حصريًا ضد إيران أو إسرائيل؛ إذ شددت الدول الموقعة على طابعه الدفاعي وعدم تقديمه باعتباره كتلة عسكرية أو تحالفًا طائفيًا. 

على الصعيد الدولي، قد يؤدي الاتفاق إلى إعادة حسابات القوى الكبرى. فالولايات المتحدة ستواجه واقعًا إقليميًا تتجه فيه حليفتها السعودية إلى تنويع ضماناتها الأمنية، في حين أن تركيا، رغم عضويتها في الناتو، تعزز في الوقت نفسه شراكاتها المستقلة مع قوى إقليمية أخرى. كذلك فإن الصين وروسيا قد تنظران إلى أي تراجع في الاعتماد الإقليمي على الولايات المتحدة باعتباره فرصة لتعزيز نفوذهما السياسي والاقتصادي.

لعدم المبالغة

ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في نتائج الاتفاق منذ اللحظة الأولى. فوجود معاهدة دفاعية لا يعني تلقائيًا إنشاء جيش موحد أو أن الدول الثلاث ستدخل أي حرب مستقبلية بالطريقة نفسها. كما أن اختلاف المصالح بين أنقرة والرياض وإسلام آباد قد يحد من قدرة الاتفاق على التحول إلى تحالف متكامل. وستكون فعاليته الحقيقية مرتبطة بمدى تحويل المبادئ المعلنة إلى آليات سياسية وأمنية عملية.

في المحصلة، يمثل اتفاق مكة أكثر من مجرد اتفاق دفاعي؛ فهو مؤشر إلى إعادة تشكيل تدريجية للبيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط وما حوله. وإذا نجحت تركيا والسعودية وباكستان في تحويل تعاونها إلى شراكة طويلة الأمد، فقد يظهر في المنطقة مركز قوة جديد قادر على التأثير في ملفات الأمن والطاقة والتجارة والدبلوماسية. أما إذا بقي الاتفاق إطارًا سياسيًا رمزيًا، فسيظل تأثيره محدودًا. وفي الحالتين، فإن مجرد ولادة هذا الترتيب الثلاثي تكشف أن النظام الإقليمي يتغير، وأن دول المنطقة أصبحت أكثر ميلًا إلى بناء ترتيبات أمنية متعددة الأطراف بدل الاعتماد على قوة خارجية واحدة.

 

* صحافي مستقل مهتم بالشأن العربي والدولي

عضو نقابة محرري الصحافة اللبنانية
مسؤول القسم العربي والدولي في صحيفة الجمهورية (لبنان) سابقا 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment