الحلقة الرابعة
___________________________________________
* حين أصبح الأمن نفسه هدفًا... من فرنسوا الحاج إلى لقمان سليم *
علي جزائري
إذا كانت السنوات التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري قد كشفت هشاشة المشهد السياسي اللبناني، فإن المرحلة اللاحقة كشفت أمرًا أكثر خطورة: لم يعد الاستهداف يقتصر على السياسيين والإعلاميين، بل امتد إلى قادة عسكريين وضباط أمن كانوا يشكلون ركائز أساسية في مؤسسات الدولة.
عندما تصبح المؤسسة الأمنية نفسها هدفًا، لا يعود السؤال مقتصرًا على كشف مرتكب الجريمة، بل يمتد إلى قدرة الدولة على حماية أجهزتها التي يفترض أنها تحمي المجتمع.
في الثاني عشر من كانون الأول 2007، اغتيل العميد فرنسوا الحاج في انفجار استهدف موكبه في بعبدا. كان من أبرز الضباط في الجيش اللبناني، ولعب دورًا بارزًا في معركة نهر البارد ضد تنظيم "فتح الإسلام". شكل اغتياله صدمة كبيرة داخل المؤسسة العسكرية، لما كان يمثله من موقع وخبرة، ولأن استهداف قيادي عسكري بهذا المستوى يطرح تحديات أمنية وقضائية مضاعفة.
وبعد أقل من عام، في الخامس والعشرين من كانون الثاني 2008، اغتيل الرائد وسام عيد، أحد ضباط شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، والذي كان يعمل على ملفات أمنية معقدة. جاء اغتياله ليؤكد أن دائرة الاستهداف لم تعد تقتصر على القيادات السياسية، بل طالت أيضًا المحققين والضباط العاملين في ملفات حساسة.
في تلك المرحلة، كان لبنان يعيش انقسامًا سياسيًا حادًا، انعكس على قراءة كثير من الأحداث، وأدى إلى تباين كبير في المواقف تجاه التحقيقات والنتائج، وهو ما زاد من صعوبة بناء إجماع وطني حول عدد من الملفات.
ثم جاءت أحداث السابع من أيار 2008، التي مثلت محطة مفصلية مختلفة عن الاغتيالات، إذ كانت مواجهة داخلية مسلحة تركت آثارًا عميقة على الحياة السياسية، وأعادت طرح أسئلة حول علاقة الدولة بالقوة المسلحة، وحدود قدرة المؤسسات على فرض قراراتها. ورغم اختلاف طبيعتها عن جرائم الاغتيال، فإنها شكّلت جزءًا من السياق العام الذي أثّر في ثقة اللبنانيين بالدولة ومؤسساتها.
وفي التاسع عشر من تشرين الأول 2012، دوى انفجار في الأشرفية أدى إلى مقتل اللواء وسام الحسن، رئيس شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي. كان الحسن شخصية أمنية بارزة، وتولى الإشراف على ملفات معقدة ذات حساسية عالية. أثار اغتياله صدمة جديدة، وأعاد إلى الواجهة المخاوف من استمرار استهداف شخصيات أمنية رفيعة.
بعد أكثر من عام بقليل، في السابع والعشرين من كانون الأول 2013، اغتيل الوزير السابق محمد شطح في تفجير وسط بيروت. كان شطح اقتصاديًا ودبلوماسيًا وسياسيًا معروفًا، وعُرف بمواقفه السياسية وبنشاطه في الشأن العام. وكما في ملفات أخرى، فتحت التحقيقات، لكن القضية بقيت ضمن الملفات التي لم تصل إلى خواتيم قضائية نهائية.
لم تتوقف دوامة العنف عند ذلك.
شهد لبنان في السنوات اللاحقة تفجيرات إرهابية استهدفت مناطق مدنية، ومعارك مع تنظيمات متطرفة على حدوده الشرقية، وعمليات أمنية معقدة، ما وضع المؤسسات العسكرية والأمنية أمام تحديات متزامنة، بين مكافحة الإرهاب وحماية الاستقرار الداخلي.
وفي الرابع من شباط 2021، اغتيل الباحث والكاتب لقمان سليم في جنوب لبنان. أثارت الجريمة ردود فعل واسعة داخل لبنان وخارجه، وطالب كثيرون بإجراء تحقيق شفاف ومستقل. وحتى اليوم، لا يزال الملف من القضايا التي لم تصل إلى حكم قضائي نهائي.
إن النظر إلى هذه القضايا مجتمعة يكشف أن المشكلة ليست في اختلاف الضحايا، بل في تكرار السؤال نفسه بعد كل جريمة: هل ستصل التحقيقات إلى نهايتها؟ وهل سيُنفذ أي حكم يصدر؟
من المهم هنا التمييز بين أمرين.
الأول هو "التحقيق القضائي"، الذي تحكمه الأدلة والإجراءات القانونية، وقد يمتد لسنوات بسبب تعقيد الملفات أو نقص الأدلة أو النزاعات الإجرائية.
والثاني هو "السجال السياسي والإعلامي"، الذي غالبًا ما يسابق القضاء في إصدار الأحكام أو تبني روايات متعارضة. وعندما يختلط المساران، يصبح من الصعب على المواطن العادي التمييز بين ما أثبتته المحاكم وما بقي في إطار المواقف السياسية.
هذه الإشكالية ليست تفصيلًا، بل تمس جوهر الثقة بالدولة.
فالقضاء لا يستطيع أن يبني شرعيته على الانطباعات، كما أن الإعلام لا يستطيع أن يحل محل المحكمة. وفي المقابل، فإن بطء العدالة أو تعثرها يفتح المجال أمام انتشار الروايات المتناقضة، ويزيد من شعور المواطنين بأن الحقيقة بعيدة المنال.
لقد دفعت المؤسسات الأمنية اللبنانية ثمنًا باهظًا خلال تلك السنوات، كما دفعت الحياة السياسية والإعلامية ثمنًا مماثلًا. غير أن الثمن الأكبر كان استمرار تآكل الثقة بالمؤسسات، وهي ثقة لا تُستعاد بالتصريحات، بل بتحقيقات مستقلة، وإجراءات شفافة، وأحكام قابلة للتنفيذ.
ومع ذلك، فإن كل ما سبق لم يكن الحدث الأكثر إيلامًا في تاريخ لبنان الحديث.
ففي الرابع من آب 2020، وقع انفجار مرفأ بيروت، الكارثة التي تجاوزت في آثارها كل الملفات السابقة من حيث عدد الضحايا وحجم الدمار والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية. لم يكن مجرد انفجار في مستودع، بل مأساة وطنية وضعت الدولة اللبنانية أمام أحد أصعب الاختبارات القضائية في تاريخها الحديث.
هناك، في قلب العاصمة، لم يكن السؤال عن ضحية واحدة أو موكب واحد، بل عن مدينة كاملة أصابها الدمار، وعن مئات العائلات التي لا تزال تنتظر أجوبة، وعن تحقيق أصبح بدوره جزءًا من النقاش الوطني حول استقلال القضاء وحدود قدرته على الوصول إلى الحقيقة.
* وفي الحلقة الخامسة، سنفتح ملف انفجار مرفأ بيروت، لا من زاوية الانقسام السياسي، بل من زاوية الوقائع الثابتة، ومسار التحقيق، والعقبات القانونية والإجرائية التي واجهته، وتأثير ذلك كله على ثقة اللبنانيين بالعدالة.
لمتابعة الحلقات انقر على الرابط
الحلقة الاولى: https://beiruttimes.com/article/57448
الحلقة الثانية: https://beiruttimes.com/article/57480
الحلقة الثالثة: https://beiruttimes.com/article/57495










08/07/2026 - 19:10 PM





Comments