بين كيسنجر والواقع السوري

08/07/2026 - 15:33 PM

Your Ad Here

 

 

بركات شاهين

“يقول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في كتابه "الدبلوماسية و النظام العالمي": السياسي يجب أن يدرس الفلسفة والتاريخ”.

ليست هذه العبارة المنسوبة إلى كيسنجر مجرد نصيحة أكاديمية، بل تعريف لمواصفات رجل الدولة. فالتاريخ يمنحه القدرة على فهم سلوك الدول واستخلاص العبر من الأزمات، بينما تمنحه الفلسفة فهمًا أعمق لطبيعة السلطة والشرعية وحدود الممكن في السياسة. ولهذا جاءت قرارات كيسنجر، سواء اتُّفق معها أم اختلف حولها، مبنية على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، انعكست في إعادة فتح العلاقات مع الصين، وسياسة الانفراج مع الاتحاد السوفيتي، ودبلوماسية الشرق الأوسط بعد حرب 1973، وترسيخ مفهوم الواقعية السياسية في العلاقات الدولية.

أما في سورية، فإن الأزمة لم تكن في الأشخاص وحدهم، بل في بنية الدولة ذاتها. فعلى امتداد عقود، أدت مركزية القرار، وتغليب الولاء على الكفاءة، وهيمنة الأجهزة الأمنية على مفاصل الدولة، إلى إضعاف المؤسسات وإفراغها من دورها في إنتاج السياسات وصناعة القرار. وفي مثل هذه البيئة، يتراجع دور الوزير إلى إدارة الملفات التنفيذية، بدل أن يكون شريكًا في رسم رؤية وطنية واستراتيجية للدولة.

إن الدول لا تُدار بالكفاءة الإدارية وحدها، بل بالعقول التي تجمع بين المعرفة والخبرة والرؤية. فالوزير ليس موظفًا رفيعًا، بل رجل دولة يُفترض أن يمتلك ثقافة راسخة في التاريخ والفلسفة والاقتصاد والعلاقات الدولية، وأن يكون قادرًا على قراءة التحولات، وتقدير موازين القوى، وصياغة سياسات تخدم المصلحة الوطنية.

إن إعادة بناء سورية لا تبدأ بإعادة إعمار الحجر فحسب، بل بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة وسيادة القانون واستقلال القرار، واختيار مسؤولين يمتلكون النزاهة والعلم والرؤية. فالأمم التي تصنع المستقبل هي تلك التي تجعل المعرفة معيارًا للقيادة، لا الولاء، وتختار رجال دولة يفكرون بعقل المؤرخ، وعمق الفيلسوف، وحكمة السياسي.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment