هل ينجح علي الزيدي في القضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة؟

08/06/2026 - 06:43 AM

San diego

 

 

ادهم ابراهيم *

منذ عام 2003، لم تتمكن الدولة العراقية من استعادة سيادتها ولا التحكم في مواردها الاقتصادية. فالسلاح بقي خارج سيطرة الدولة، فيما ساهمت التدخلات الإقليمية والدولية، إلى جانب الانقسامات الطائفية، في نشوء مراكز قوى موازية للمؤسسات الرسمية، الأمر الذي أضعف الدولة وأفقدها قدرتها على فرض سلطتها .

في هذا المشهد المعقد، وصل رئيس الوزراء علي الزيدي إلى السلطة رافعاً شعارين يمثلان جوهر مشروعه السياسي: محاربة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة. وهما في الحقيقة هدفان لا يمكن الفصل بينهما، حيث ان الفساد كان على مدى السنوات الماضية الممول الرئيس لشبكات النفوذ السياسي والعسكري التي ازدهرت خارج مؤسسات الدولة.

وقد اتخذت الحكومة الجديدة خطوة غير مسبوقة بمنح الفصائل المسلحة مهلة حتى الثلاثين من سبتمبر لتسليم أسلحتها، وهو الموعد الذي يتزامن مع انسحاب القوات الأمريكية من العراق. إلا أن هذا القرار قوبل برفض واضح من بعض الفصائل التي أعلنت تمسكها بسلاحها .

وتواجه حكومة الزيدي تحديا في الحفاظ على توازن علاقاتها بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أن تحولت طوال السنوات الماضية إلى ساحة للصراع غير المباشر بين الطرفين. ولذلك فإن نجاحه يتطلب انتهاج سياسة براغماتية تنطلق من المصلحة الوطنية العراقية وحدها، بعيداً عن الاصطفافات الدولية والإقليمية، وصولاً إلى إعلان العراق دولة محايدة لا تكون جزءاً من صراعات المحاور.

إن الحرب على الفساد لا تقل أهمية عن معركة احتكار الدولة للسلاح. فتعهد الزيدي بملاحقة المتورطين في اختلاس المال العام تهدف أيضاً الى تفكيك الشبكات الاقتصادية والمالية التي تمول النفوذ السياسي والعسكري خارج مؤسسات الدولة .

وقد بدأت الحكومة بالفعل خطواتها الأولى بإجراءات طالت قيادات في الدولة وأعضاء في البرلمان، لإثبات جدية مكافحة الفساد، بعد أن بلغ حجم النهب مستويات غير مسبوقة. ففي عام 2021 كشف الرئيس العراقي السابق برهم صالح أن نحو 150 مليار دولار من عائدات النفط هُربت إلى خارج العراق منذ عام 2003، بينما تشير تقديرات هيئة النزاهة الاتحادية إلى أن خسائر الفساد خلال ثمانية عشر عاماً تجاوزت 350 مليار دولار . 

وفي العراق، لا يقتصر الفساد على سوء إدارة المال العام، بل يمتد إلى معظم مفاصل الاقتصاد، من عقود النفط والمشتريات الحكومية إلى الجمارك والمنافذ الحدودية والمصارف والشركات الحكومية وشبكات التحويل المالي، وهي جميعها قطاعات تداخلت فيها المصالح الحزبية والمحسوبية والنفوذ الإقليمي، تحميها الدولة العميقة، ما جعل مكافحة الفساد معركة شاقة .

وفي الوقت نفسه، يحتاج العراق بصورة ملحة إلى إعادة إنعاش اقتصاده، خاصة بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدها نتيجة تراجع إيرادات النفط بعد إغلاق مضيق هرمز. ومن هنا، تسعى بغداد إلى فتح صفحة جديدة في علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الجوار وإقناع المستثمرين بأن العراق أصبح أكثر قدرة على توفير بيئة مستقرة وآمنة للاستثمار، وهو أمر لن يتحقق ما لم يشعر المستثمر بأن الدولة وحدها هي صاحبة القرار الأمني والاقتصادي.

لكن الطريق أمام رئيس الوزراء لن يكون سهلاً. فالقوى السياسية التي استفادت من النظام القائم لا تؤمن بالإصلاح الحقيقي، وستقاوم أي محاولة تعرض امتيازاتها للخطر . ولهذا فإن إعلان حصر السلاح بيد الدولة تتطلب شجاعة وإصراراً وقدرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.

كما أن نجاح مشروع الإصلاح يتطلب قضاءً مستقلاً قادراً على محاسبة المتهمين ، مع تحديث المنظومة القانونية الخاصة بمكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال، حتى لا تتحول حملات الاعتقال إلى إجراءات إعلامية مؤقتة.

ولعل أهم أوراق القوة التي يمتلكها الزيدي هي الدعم الشعبي والرغبة الجماهيرية في إنهاء حقبة الفساد والمحاصصة.  وباستثمار هذا الدعم يستطيع فتح الملفات الأكثر حساسية، من تهريب الأموال والشهادات المزورة وملفات بيع العملة والعقود والاستثمارات المشبوهة، وهي ملفات تؤدي إلى إسقاط كثير من الرموز المتنفذة .

إن الحكومة تقف اليوم عند مفترق طرق . فإما أن تنجح في بناء دولة مؤسسات تحتكر السلاح وتفرض القانون وتحارب الفساد، أو تبقى رهينة للفصائل المسلحة والمحاور الإقليمية. فلم تعد السياسات المهادنة مجدية، ولم يعد ممكناً الجمع بين الولاء للدولة والانحياز للسياسات الخارجية ، خصوصا بعد قيام بعض الفصائل بتهديد دول الجوار لزج العراق في مواجهات إقليمية . 

إن النظام السياسي الحالي استنفد قدرته على الإصلاح، وبات بحاجة إلى حلول جذرية تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة والمواطنة. فالمعادلة أصبحت واضحة: إما أن تنتصر الدولة على الميليشيات، أو تنتصر الميليشيات على الدولة، ولا يبدو أن هناك مساحة لحل وسط.

يبقى السؤال الملح هل ينجح رئيس الوزراء الشاب علي الزيدي في تحويل وعوده إلى واقع، فيقود معركة استعادة الدولة ومحاربة الفساد واحتكار السلاح؟ 

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل حكومته فحسب، بل تحدد مستقبل الدولة العراقية بأكملها.

 

* كاتب ومحلل سياسي من العراق

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment