# *لبنان... نصف قرن من الحقيقة المؤجلة (3)*

08/06/2026 - 05:20 AM

San Diego

 

 

الحلقة الثالثة
___________________________________________

## *14 شباط 2005... اليوم الذي انقسم فيه التاريخ اللبناني*

 

علي جزائري

ليست كل الاغتيالات متشابهة. بعضها يطوي صفحة رجل، وبعضها يفتح فصلاً جديدًا في تاريخ وطن. وكان اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 من النوع الثاني.

لم يكن الانفجار الذي ضرب موكبه في قلب بيروت مجرد عملية اغتيال استهدفت رئيس حكومة سابقًا، بل كان حدثًا غيّر المشهد السياسي اللبناني والإقليمي، وأطلق سلسلة تحولات لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

في الساعات الأولى بعد الانفجار، انشغل اللبنانيون بالبحث عن إجابات. ومع مرور الأيام، لم يعد السؤال مقتصرًا على من نفذ الجريمة، بل امتد إلى كيفية حماية التحقيق من الضغوط، وكيفية الوصول إلى حقيقة تستند إلى الأدلة لا إلى الانقسامات السياسية.

تميز هذا الملف عن غيره بأن مجلس الأمن أنشأ لجنة تحقيق دولية، ثم أُنشئت المحكمة الخاصة بلبنان. وبعد سنوات طويلة من التحقيقات والمحاكمات، أصدرت المحكمة أحكامًا غيابية بحق أحد المتهمين وبرّأت آخرين لعدم كفاية الأدلة، فيما بقي تنفيذ الأحكام غير متحقق. وبغض النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة للمحكمة، فقد شكلت تجربتها سابقة في التعامل القضائي مع جريمة اغتيال سياسي بهذا الحجم. لكن ما إن بدأ لبنان يستوعب صدمة اغتيال الحريري، حتى دخل مرحلة جديدة من العنف.

في الثاني من حزيران 2005، اغتيل الصحافي والكاتب سمير قصير. كان من أبرز الأصوات الصحافية في البلاد، وأثار اغتياله مخاوف عميقة بشأن حرية الرأي وسلامة العاملين في الإعلام. وبعد أقل من شهر، في 21 حزيران، اغتيل جورج حاوي، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني. مرة أخرى، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام جريمة جديدة، فيما كانت التحقيقات في الجريمة السابقة لا تزال مستمرة.

وفي 25 أيلول 2005، تعرضت الإعلامية والنائبة لاحقًا مي شدياق لمحاولة اغتيال نجت منها، لكنها أصيبت بجروح بالغة أدت إلى بتر أحد أطرافها. كانت الرسالة واضحة بالنسبة لكثيرين: العنف لم يعد يستهدف السياسيين وحدهم.

ثم جاء يوم 12 كانون الأول 2005.

في ذلك اليوم، اغتيل جبران تويني، الصحافي والنائب المعروف، في انفجار استهدف موكبه. كانت كلماته الشهيرة عن لبنان قد أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية، وجاء اغتياله ليضيف اسمًا جديدًا إلى قائمة الضحايا الذين خسرهم لبنان في أشهر قليلة. وخلال أقل من عام، فقدت البلاد رئيس حكومة سابقًا، وصحافيًا، وسياسيًا، ونائبًا، فيما كانت التحقيقات تتداخل مع الانقسام السياسي الحاد الذي عاشته البلاد.

عام 2006 لم يكن أكثر هدوءًا.

في 21 تشرين الثاني، اغتيل الوزير بيار الجميل بإطلاق نار في منطقة الجديدة. شكلت الجريمة صدمة جديدة، وأضافت مزيدًا من الأسئلة إلى المشهد اللبناني المعقد. ثم تتابعت الأحداث في عام 2007.

اغتيل النائب وليد عيدو في حزيران، ثم النائب أنطوان غانم في أيلول، لتتكرس صورة بلد يعيش على إيقاع الاغتيال السياسي.

في كل مرة، كانت تتكرر المشاهد نفسها: موقع الجريمة، سيارات الإسعاف، المؤتمرات الصحافية، لجان التحقيق، والتصريحات السياسية. لكن المشهد الذي كان يتكرر أيضًا هو انتظار العدالة.

ولا يعني ذلك أن المؤسسات القضائية كانت غائبة بالكامل. فقد شهدت بعض الملفات تحقيقات موسعة، واستفادت من التعاون الدولي، وأُنشئت آليات قضائية غير مسبوقة. إلا أن طول المدة، وتعقيد الإجراءات، والانقسام السياسي حول بعض الملفات، جعل قطاعات واسعة من اللبنانيين تشعر بأن الوصول إلى خاتمة قضائية عملية ليس بالأمر السهل.

وهنا يبرز سؤال أساسي. هل تكفي الحقيقة القضائية وحدها لترميم الثقة الوطنية؟

القضاء وظيفته إصدار الأحكام بناءً على الأدلة، وليس تقديم روايات سياسية ترضي جميع الأطراف. لكن عندما تمتد التحقيقات سنوات طويلة، أو تبقى الأحكام غير قابلة للتنفيذ، يشعر المواطن بأن المسافة بين العدالة القانونية والعدالة التي ينتظرها المجتمع لا تزال كبيرة.

لقد أدت موجة الاغتيالات بين عامي 2005 و2007 إلى تغيير عميق في الحياة السياسية اللبنانية. غادر عدد من السياسيين والإعلاميين البلاد خوفًا على حياتهم، وتشددت الإجراءات الأمنية حول المسؤولين، وأصبح الهاجس الأمني جزءًا من الحياة اليومية. ومع ذلك، لم تتوقف سلسلة الدم. بل امتدت إلى استهداف ضباط وقادة أمنيين لعبوا أدوارًا بارزة في التحقيقات الأمنية، لتدخل البلاد مرحلة جديدة سيكون لها أثر بالغ على مؤسساتها الأمنية والقضائية.

هذه المرحلة، التي بدأت باغتيال اللواء فرنسوا الحاج والرائد وسام عيد، ثم وصلت إلى اغتيال اللواء وسام الحسن والوزير محمد شطح، ستكشف أن التحدي لم يعد سياسيًا فقط، بل أصبح أيضًا اختبارًا لقدرة الدولة على حماية مؤسساتها نفسها.

لقد أثبتت تلك السنوات حقيقة مؤلمة: أن الاغتيال السياسي لا يقتل شخصًا واحدًا فقط، بل يترك أثرًا طويلًا على ثقة المواطنين، وعلى عمل المؤسسات، وعلى شعور المجتمع بالأمان. ويبقى الدرس الأهم أن العدالة، مهما كانت بطيئة، تظل الطريق المشروع الوحيد لمواجهة الجريمة. أما غيابها أو تعثرها، فيفتح الباب أمام مزيد من الانقسام، ويجعل كل جريمة جديدة تُقرأ على ضوء الجرائم التي سبقتها.

وفي الحلقة الرابعة، ننتقل إلى مرحلة استهداف القيادات الأمنية والسياسية بين عامي 2008 و2021، لنبحث كيف تعاملت الدولة مع هذه الملفات، ولماذا بقي عدد منها من دون خواتيم قضائية نهائية.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment