الكاتب والباحث رشيد ج. مينا
لم يكن لبنان يومًا وطنًا فقيرًا في طاقاته البشرية، ولا في إمكاناته الثقافية والاقتصادية، ولا في قدرته على إنتاج المبادرات والأفكار. ومع ذلك، فإن قرنًا كاملًا من تاريخه يكشف حقيقة يصعب تجاهلها: كلما تجاوز أزمة، وجد نفسه أمام أزمة جديدة، وكلما ظن أنه اقترب من الاستقرار، عاد إلى نقطة البداية. حتى بدا وكأن الأزمات أصبحت قدرًا ملازمًا لهذا الوطن. غير أن الأزمات لا تتحول إلى قدر إلا عندما نعجز عن اكتشاف أسبابها الحقيقية.
ولعل أكبر خطأ ارتكبناه في قراءة تاريخ لبنان أننا تعاملنا مع كل أزمة بوصفها قضية مستقلة بذاتها؛ مرةً يكون السلاح هو المشكلة، ومرةً الطائفية، ومرةً الفساد، ومرةً التدخلات الخارجية، ومرةً الاقتصاد، ومرةً النظام السياسي. فتعددت العناوين، وتشعبت النقاشات، وتوالت المعالجات، بينما بقيت الأزمة تتجدد في كل مرحلة بثوب مختلف.
أما الحقيقة، في تقديري، فهي أن معظم هذه الأزمات ليست إلا مظاهر لأزمة واحدة أعمق منها جميعًا، رافقت لبنان منذ ولادته وحتى يومنا هذا، وهي عدم اكتمال مشروع الدولة. ومن هنا، فإن هذا المقال لا يحاول إعادة سرد تاريخ لبنان، ولا توزيع المسؤوليات بين هذا الفريق أو ذاك، بل يسعى إلى البحث عن الخيط الذي يربط قرنًا كاملًا من الأحداث، ويجيب عن سؤال واحد: هل امتلك لبنان دولة ثم خسرها، أم أن مشروع الدولة لم يكتمل أصلًا؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تعيد ترتيب قراءة التاريخ اللبناني كله.
فإذا كانت الدولة قد اكتملت ثم انهارت، فإن البحث يجب أن ينصرف إلى معرفة من أسقطها ومتى. أما إذا كان مشروع الدولة لم يكتمل منذ البداية، فإن معظم ما شهده لبنان من حروب وأزمات وانقسامات يصبح نتيجة طبيعية لخلل تأسيسي، لا أحداثًا منفصلة لا يجمعها رابط.
لقد أُعلن قيام لبنان الكبير، ثم أُعلن الاستقلال، وتعاقبت الحكومات، ووُضعت الدساتير، وأُجريت الانتخابات، وتبدلت العهود، لكن مشروع الدولة ظل يتعثر في كل مرحلة قبل أن يبلغ اكتماله.
ذلك أن الدولة ليست حدودًا مرسومة على الخريطة، ولا علمًا يرفرف فوق المؤسسات، ولا سلطة تتغير وجوهها مع كل استحقاق سياسي. الدولة، قبل كل شيء، هي منظومة متكاملة تقوم على سيادة القانون، واستقلال القضاء، وفاعلية المؤسسات، واحتكار السلطة الشرعية لوسائل القوة، ومواطنة متساوية، وهوية وطنية جامعة تجعل الانتماء إلى الوطن يسمو على كل انتماء آخر. وهذا ما لم يكتمل في التجربة اللبنانية.
فكلما اقترب مشروع الدولة من ترسيخ إحدى ركائزه، اصطدم بحسابات السلطة، أو بالتوازنات الطائفية، أو بالتدخلات الخارجية، أو بتعارض المصالح، فيتراجع المشروع مرة أخرى، وتُستبدل عملية البناء بتسوية جديدة، تعالج نتائج الأزمة، لكنها تترك أسبابها على حالها.
ومن هنا، فإنني لا أتعامل مع الحرب الأهلية بوصفها بداية الانهيار، ولا مع اتفاق الطائف بوصفه بداية الحل، ولا مع أي محطة سياسية باعتبارها أصل المشكلة أو نهايتها. فالحرب كانت انفجارًا لمسار طويل من التراكم، والطائف أوقف الحرب ولم يستكمل بناء الدولة، أما ما سبق ذلك وما تلاه فلم يكن سوى محطات في رحلة طويلة ظل فيها الوطن يبحث عن دولة مكتملة.
ولعل المأساة الكبرى أن اللبنانيين، في كل مرة، انشغلوا بمواجهة نتائج الأزمة، بينما بقيت أسبابها الحقيقية تتجذر بصمت.
فعندما تفاقم الفساد، أصبح الفساد هو القضية.
وعندما انهار الاقتصاد، أصبح الاقتصاد هو القضية.
وعندما تعقد ملف السلاح، أصبح السلاح هو القضية.
وعندما تعطلت المؤسسات، أصبحت المؤسسات هي القضية.
أما السؤال الذي كان ينبغي أن يسبق كل تلك الأسئلة، فقد بقي مؤجلًا:
لماذا عجزت الدولة، منذ نشأتها، عن أن تصبح المرجعية الوحيدة التي تمنع كل ذلك من الأصل؟
إن الأمم لا تُقاس بعدد الأزمات التي مرت بها، بل بقدرتها على بناء دولة تستوعب تلك الأزمات داخل مؤسساتها وقوانينها، فلا تتحول إلى تهديد لوجودها. ولبنان، على الرغم من كل ما امتلكه من مقومات، بقي عاجزًا عن الوصول إلى هذه المرحلة، لأن الصراع دار، في معظم محطاته، حول السلطة أكثر مما دار حول بناء الدولة.
إذا كان تعثر مشروع الدولة قد بدأ منذ ولادة الكيان، فإن فهم هذا التعثر يقتضي النظر إلى البيئة التاريخية والسياسية التي نشأ فيها لبنان. فلبنان لم يكن جزيرة معزولة عن محيطه، كما أن المنطقة العربية لم تكن تتحرك بمعزل عن التحولات الدولية التي أعادت رسم خرائط النفوذ والمصالح بعد الحربين العالميتين.
لقد خرجت القوى الاستعمارية بجيوشها من معظم البلدان العربية، لكن الصراع على المنطقة لم ينتهِ بخروجها العسكري. تغيرت الأدوات، وتبدلت الأساليب، إلا أن المصالح بقيت حاضرة، ودخلت المنطقة مرحلة جديدة كان المشروع الصهيوني فيها، بقيام دولة إسرائيل، أحد أبرز عناصرها الاستراتيجية، فتحولت المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح استنزف إمكاناتها البشرية والاقتصادية والسياسية لعقود طويلة.
ولا يمكن لأي قراءة منصفة أن تتجاهل عدالة القضية الفلسطينية، ولا حجم الظلم التاريخي الذي تعرض له الشعب الفلسطيني، ولا حقه في أرضه ووطنه. لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا الصراع، إلى جانب عوامل داخلية وإقليمية ودولية أخرى، فرض على المنطقة أولويات متلاحقة، حالت في كثير من الأحيان دون التفرغ للمهمة التي لا تقل أهمية عن معركة التحرير، وهي بناء الدولة الحديثة.
فالاستقلال السياسي لا يعني بالضرورة اكتمال الاستقلال الوطني، كما أن خروج الجيوش الأجنبية لا يعني أن مشروع الدولة قد أصبح حقيقة قائمة. فالدولة لا تُبنى بالشعارات، ولا بالمواقف، ولا بحجم التضحيات وحدها، وإنما تُبنى بالإنسان، وبالتعليم، وبسيادة القانون، وباستقلال القضاء، وبالإدارة الكفوءة، وبالاقتصاد المنتج، وبترسيخ المواطنة التي تجعل الانتماء للوطن فوق كل انتماء آخر. وهنا تكمن إحدى أكبر الإشكاليات التي عرفها لبنان، ومعه كثير من الدول العربية.
ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تواجه تحديات مصيرية، انغمست قواها السياسية في صراعات داخلية على السلطة، ورفعت شعارات كبرى، بعضها عادل في أهدافه، لكن الممارسة السياسية كثيرًا ما حولت تلك الشعارات إلى أدوات في الصراع الداخلي، أو إلى وسائل لاستقطاب الجماهير، بينما تراجع مشروع بناء الدولة إلى المرتبة الثانية.
وتبدلت عناوين الانقسام من مرحلة إلى أخرى. فمرة كان الصراع بين اليمين واليسار، ثم بين الرجعية والتقدمية، ثم بين القومية والقطرية، ثم بين الطائفية والعلمانية، ولاحقًا بين المحاور الإقليمية والدولية. تغيرت الأسماء، وتغيرت الرايات، لكن النتيجة بقيت واحدة: التنافس على السلطة، أو على جزء منها، فيما بقيت الدولة هي الخاسر الأكبر.
ولعل أخطر ما أصاب التجربة اللبنانية أن الهوية الوطنية لم تُستكمل على النحو الذي يجعلها المرجعية الجامعة لجميع اللبنانيين، دون أن يتعارض ذلك مع انتمائهم العربي. فالوطنية الحقيقية لا تلغي العروبة، كما أن العروبة لا تلغي خصوصية الدولة الوطنية، بل إن كلًا منهما يفترض أن يعزز الآخر.
غير أن هذا المفهوم لم يُترجم في مشروع تربوي متكامل.
فأيُّ تاريخٍ تتعلمه الأجيال اللبنانية؟
وأيُّ تربيةٍ وطنيةٍ تتلقاها منذ قيام لبنان الكبير؟
وهل تعرّفت إلى كيفية نشوء الدولة، وإلى أسباب تعثرها، وإلى معنى المواطنة، وحقوق المواطن وواجباته، وأهمية المؤسسات وسيادة القانون؟ أم أنها كبرت على روايات متباينة، حتى أصبح لكل فريق تاريخه، ولكل طائفة ذاكرتها، ولكل حزب أبطاله وروايته الخاصة؟
إن الدولة التي تعجز، بعد مرور قرن على قيامها، عن الاتفاق على كتاب تاريخ وطني جامع، أو على منهج للتربية الوطنية يصنع المواطن قبل أن يصنع المؤيد لهذا الفريق أو ذاك، تترك أبناءها يبحثون عن هوياتهم في الطائفة، أو الحزب، أو الزعيم، أو الخارج، بدل أن يجدوها في الوطن.
ولذلك لم يكن التعليم قضية تربوية فحسب، بل كان أحد أهم ميادين بناء الدولة أو إجهاضها.
وإذا كان التعليم قد عجز عن ترسيخ مفهوم الدولة، فإن الحياة السياسية لم تكن أكثر نجاحًا.
فعلى امتداد العقود، شهد لبنان عشرات اللقاءات، والحوارات، والمؤتمرات، والتسويات. لكنها، في معظمها، لم تُعقد للإجابة عن سؤال: كيف نبني دولة حديثة؟ بل للإجابة عن سؤال آخر:
كيف نعيد توزيع النفوذ ونحتوي الأزمة الراهنة؟ ولهذا كانت تنجح في إنهاء أزمة، لكنها كانت تعجز عن منع ولادة الأزمة التالية.
والأخطر أن تلك الحوارات بقيت، في معظمها، حكرًا على القوى السياسية ذاتها، أو على أطراف تحظى برعاية أو تأثير خارجي، بينما غابت عنها القوى الشعبية الحقيقية، والكفاءات العلمية، والخبرات الاقتصادية والقانونية، والشخصيات الوطنية المستقلة القادرة على التفكير خارج الاصطفافات التقليدية.
وهكذا، تحولت التسويات إلى وسيلة لإدارة الانقسام، لا إلى مشروع لتأسيس الدولة، وبقي الوطن يدور في الحلقة نفسها، بينما ظل مشروع الدولة مؤجلًا، وكأن الزمن وحده كفيل بحل المشكلات التي لم تُعالج من جذورها.
من أكثر القضايا التي شغلت اللبنانيين، ولا تزال، قضية السلاح. حتى بدا، في الخطاب السياسي والإعلامي، وكأنها أزمة مستجدة فرضتها تطورات العقود الأخيرة. غير أن قراءة التاريخ اللبناني بعيدًا عن الانفعالات السياسية تقود إلى نتيجة مختلفة تمامًا.
فالسلاح خارج إطار الدولة ليس ظاهرة جديدة في لبنان، بل ظاهرة رافقت مسيرة الكيان منذ عقوده الأولى، وتبدلت الجهات التي حملته، كما تبدلت الشعارات التي رُفع تحتها، بينما بقي السبب العميق الذي سمح بوجوده واحدًا:
عدم اكتمال مشروع الدولة.
فقد عرف لبنان السلاح في أحداث عام 1958، ثم في تحركات سياسية وأمنية متعددة، قبل أن يتعاظم حضوره مع انتقال العمل الفدائي الفلسطيني إلى لبنان، حيث تداخلت القضية الفلسطينية مع الواقع اللبناني، واختلطت الحسابات الوطنية بالإقليمية، إلى أن انفجرت التناقضات على نطاق واسع عام 1975، لتدخل البلاد في واحدة من أكثر مراحلها مأساوية.
ومنذ ذلك التاريخ، تغيرت الوجوه، وتبدلت المبررات، وتعاقبت المراحل، لكن السلاح بقي حاضرًا بأشكال مختلفة، لأن البيئة التي أنتجته لم تتغير.
وهنا يبرز السؤال الذي غاب عن معظم النقاشات:
لماذا استطاع السلاح، في كل مرحلة، أن يوجد خارج إطار الدولة؟
لقد انشغل اللبنانيون، في كل مرة، بمن يحمل السلاح، بينما كان السؤال الأهم هو:
لماذا لم تستطع الدولة أن تكون المرجعية الوحيدة التي تحتكر حق استخدام القوة؟
إن الدولة التي تكتمل مؤسساتها، ويستقل قضاؤها، وتترسخ فيها سيادة القانون، ويحظى جيشها بثقة جميع مواطنيها، لا تترك فراغًا يسمح بقيام مراكز قوة موازية لها، مهما كانت الشعارات التي ترفعها أو المبررات التي تستند إليها.
ومن هنا، فإن معالجة قضية السلاح بمعزل عن استكمال بناء الدولة تعالج أحد مظاهر الأزمة، لكنها لا تمس أصلها. فحتى لو انتهت مرحلة من مراحل السلاح، فإن غياب الدولة كفيل بإعادة إنتاج الظاهرة نفسها بأسماء مختلفة وشعارات جديدة. وفي قلب هذه المعادلة يقف الجيش اللبناني.
فالجيش لم يكن يومًا مجرد مؤسسة عسكرية، بل كان ولا يزال المؤسسة الوطنية الجامعة التي يرى فيها اللبنانيون الأمل في حماية وحدتهم، وتجسيد سيادة دولتهم، وترسيخ احتكارها المشروع للقوة.
لكن المفارقة أن هذه المؤسسة، بدل أن تُمنح في كل مرحلة مقومات القيام الكامل بدورها الدستوري، بقيت محاصرة بحسابات السياسة. وكلما برزت الحاجة إلى قيامها بدورها الوطني، ارتفعت الأصوات محذرة من خطر انقسامها، وكأن المطلوب منها أن تبقى رمزًا للوحدة أكثر من أن تكون أداة الدولة في فرض سيادة القانون.
واللافت أن هذا المنطق لم يمنع انقسام الجيش خلال الحرب الأهلية، كما لم يؤدِّ إلى بناء دولة أقوى بعد انتهاء الحرب، بل بقيت المؤسسة العسكرية تتحمل أعباء الحفاظ على الاستقرار، فيما ظلت الدولة عاجزة عن استكمال عناصر قوتها السياسية والدستورية.
إن الدفاع عن الجيش لا يكون بإبقائه خارج المعادلة الوطنية، بل بتمكينه، ضمن أحكام الدستور والقانون، من أداء دوره الطبيعي بوصفه جيش الدولة، لا جيش السلطة، ولا جيش الطائفة، ولا جيش التسويات. غير أن الجيش، مهما بلغت كفاءته، لا يستطيع وحده أن يبني دولة.
فالدولة تُبنى حين يلتقي الجيش مع القضاء المستقل، والإدارة الكفوءة، والتعليم الوطني، والاقتصاد المنتج، والثقافة التي تربي الإنسان على احترام القانون، والإيمان بأن الحقوق لا تُحمى إلا داخل الدولة، وأن القوة لا تكون مشروعة إلا إذا كانت قوة الدولة نفسها. ولهذا، فإن إنقاذ لبنان لا يبدأ من معالجة ملف واحد، ولا من تسوية سياسية جديدة، بل من العودة إلى السؤال الذي جرى تأجيله منذ قيام لبنان الكبير:
كيف نبني دولة تسبق الجميع، وتعلو على الجميع، ويشعر كل مواطن بأنها دولته، لا دولة غيره؟
عندما يتحقق ذلك، يصبح السلاح استثناءً لا قاعدة، وتصبح الطائفة مكوّنًا اجتماعيًا لا مرجعية سياسية، وتصبح الديمقراطية وسيلة لتداول السلطة لا لتقاسمها، ويصبح الوطن إطارًا جامعًا لا ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
فالمشكلة، في جوهرها، لم تكن يومًا في تعدد الأزمات، بل في أن مشروع الدولة بقي مؤجلًا، ومع كل تأجيل كان مشروع الوطن يفقد جزءًا جديدًا من معناه، وكان الإنسان اللبناني يدفع الثمن. ولذلك، فإن مستقبل لبنان لن يتحدد بما إذا كانت أزمة اليوم ستنتهي، بل بما إذا كان اللبنانيون سيقررون، أخيرًا، الانتقال من إدارة الأزمات إلى استكمال مشروع الدولة.
فالدولة ليست حلمًا سياسيًا، ولا شعارًا انتخابيًا، بل الشرط الأول لبقاء الوطن، والضمانة الوحيدة لكرامة الإنسان وحريته ومستقبله. فلولا خسارة الدولة... لما أُجهض مشروع الوطن.











08/06/2026 - 06:11 AM





Comments