لبنان... نصف قرن من الحقيقة المؤجلة (2)

08/05/2026 - 09:24 AM

Jonathan Amireh

 

الحلقة الثانية
___________________________________________

 * من رشيد كرامي إلى رينيه معوض وداني شمعون... عندما أصبحت الدولة أضعف من حماية نفسها! *

 

علي جزائري

إذا كان اغتيال كمال جنبلاط قد شكّل نقطة تحول في الحياة السياسية اللبنانية، فإن السنوات التي تلته أثبتت أن المشكلة لم تكن جريمة واحدة، بل مسارًا كاملاً من الاضطراب السياسي والأمني، في ظل حرب أهلية أنهكت مؤسسات الدولة، وجعلت الوصول إلى العدالة أكثر صعوبة.

في الأول من حزيران 1987، قُتل رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي في انفجار استهدف المروحية العسكرية التي كانت تقله. كانت البلاد لا تزال غارقة في الحرب، وكانت الدولة تحاول إدارة ما تبقى من مؤسساتها وسط انقسامات حادة. في هذه القضية، شهد الملف القضائي محاكمات وأحكامًا، ثم تطورات سياسية لاحقة غيّرت مساره، ما جعل القضية تبقى حاضرة في الذاكرة السياسية اللبنانية حتى بعد إقفالها قضائيًا.

بعد ذلك بعامين، وفي 22 تشرين الثاني 1989، اغتيل الرئيس رينيه معوض بعد سبعة عشر يومًا فقط من انتخابه رئيسًا للجمهورية. جاء الاغتيال في لحظة كان اللبنانيون يأملون فيها أن يشكل اتفاق الطائف بداية إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة.

كان اغتيال رئيس منتخب في يوم الاستقلال رسالة قاسية إلى بلد يبحث عن بداية جديدة. ورغم التحقيقات التي أجريت، بقيت القضية من دون حسم قضائي نهائي يبدد كل الشكوك التي أحاطت بها. ولم يكد لبنان يدخل مرحلة ما بعد الحرب حتى وقعت جريمة أخرى هزّت الرأي العام.

في 21 تشرين الأول 1990، قُتل داني شمعون مع زوجته واثنين من أولاده داخل منزلهم. كانت الجريمة من أكثر الجرائم التي صدمت اللبنانيين بسبب طبيعتها وعدد ضحاياها. شهد الملف محاكمات وأحكامًا، لكنه بقي أيضًا موضع نقاش سياسي وقانوني لسنوات، شأنه شأن عدد من القضايا الكبرى في تلك المرحلة.

هذه القضايا الثلاث تكشف جانبًا مهمًا من الأزمة اللبنانية.

فالعدالة لا تعمل في فراغ، بل ضمن مؤسسات تحتاج إلى الاستقرار والاستقلال والإمكانات. وعندما تكون الدولة نفسها خارجة من حرب أهلية، تصبح التحقيقات أكثر تعقيدًا، ويصبح جمع الأدلة وحماية الشهود ومتابعة الملفات تحديات حقيقية. لكن انتهاء الحرب لم يكن كافيًا لإنهاء هذا الإرث.

فمع بداية التسعينيات، دخل لبنان مرحلة إعادة الإعمار، إلا أن إعادة بناء الثقة بالمؤسسات كانت أبطأ بكثير من إعادة بناء الحجر. فالناس لا يقيسون قوة الدولة بعدد الجسور والطرقات، بل بقدرتها على حماية القانون، وكشف الحقيقة، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته أمام القضاء. وهنا يظهر الفرق بين العدالة والانتقام.

العدالة لا تقوم على الاتهامات المتبادلة، ولا على الروايات السياسية، ولا على الانطباعات، بل على الأدلة والمحاكمات والإجراءات السليمة. وعندما تطول التحقيقات أو تتداخل معها الاعتبارات السياسية، تتراجع ثقة المواطنين في قدرة المؤسسات على أداء دورها.

لقد دفعت الجمهورية اللبنانية ثمنًا باهظًا لكل ملف بقي عالقًا في الذاكرة العامة. فكل قضية لم تصل إلى نهاية واضحة غذّت شعورًا عامًا بأن العدالة ليست دائمًا بالسرعة أو الفاعلية التي ينتظرها المجتمع. ولذلك، فإن دراسة هذه المرحلة ليست مجرد استعادة لأحداث الماضي، بل محاولة لفهم كيف تراكمت أزمة الثقة بين المواطن والدولة.

في السنوات اللاحقة، دخل لبنان مرحلة جديدة وأكثر دموية مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وما أعقبه من سلسلة اغتيالات استهدفت صحافيين وسياسيين ونوابًا وضباطًا  ومسؤولين أمنيين. وقد شكّلت تلك المرحلة نقطة تحول في مسار التحقيقات، مع إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان، وهو ما سنناقشه في الحلقة المقبلة.

إن مراجعة هذه الملفات لا تهدف إلى إعادة فتح الجراح، بل إلى التذكير بأن بناء دولة القانون لا يكتمل إلا عندما يشعر المواطن بأن العدالة تُطبَّق على الجميع، وأن القضايا الكبرى لا تبقى رهينة الزمن أو التجاذبات.

فالدول لا تُبنى فقط بالدساتير، بل بثقة الناس في أن القانون قادر على حماية حياتهم وحقوقهم، وأن دماء الضحايا ليست مجرد محطات في الذاكرة الوطنية، بل مسؤولية مستمرة على عاتق المؤسسات. وفي لبنان، يبقى هذا التحدي قائمًا: كيف يمكن تحويل الذاكرة إلى عدالة، لا إلى مجرد ذكرى سنوية؟.

 

والى الحلقة المقبلة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment