لقاء "حماية لبنان"... عندما تحوّل العنوان الوطني إلى محاولة لإنقاذ مشروع سياسي مأزوم

07/31/2026 - 09:34 AM

San Diego

 

 

بقلم: فرنسوا الجردي

لم يكن عنوان «حماية لبنان» في حد ذاته موضع خلاف، فمن الطبيعي أن يلتقي اللبنانيون حول حماية وطنهم وسيادته ومؤسساته. لكن السياسة لا تُقاس بالعناوين، بل بالنتائج، ولا بالشعارات، بل بالمصداقية. ومن هنا، يمكن القول إن اللقاء الذي انعقد في فندق فينيسيا لم يحقق الغاية الوطنية التي رُوّج لها، بل بدا، في نظر كثير من المراقبين، أقرب إلى محاولة لإعادة تموضع سياسي لبعض القوى، وفي مقدمتها رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل.

فأي لقاء يحمل اسم «حماية لبنان» يفترض أن ينجح أولًا في إقناع اللبنانيين بأن المشاركين فيه يمتلكون رصيدًا من الثبات السياسي والانسجام مع المبادئ التي يرفعونها. وهذه كانت العقدة الأساسية.

لقد أمضى جبران باسيل سنوات طويلة في تحالف وثيق مع حزب الله، وكان من أبرز المدافعين عن هذا التحالف في أحلك الظروف، معتبرًا أنه خيار استراتيجي لا يمكن التخلي عنه. وعندما بدأت موازين القوى الداخلية والإقليمية تتبدل، تبدلت معها اللغة السياسية، وبدأ الحديث عن الدولة والسيادة وحصرية السلاح والإصلاح.

التبدل في المواقف ليس خطيئة في السياسة إذا جاء نتيجة مراجعة فكرية صريحة، تترافق مع اعتراف بالأخطاء وتحمل للمسؤولية. أما الانتقال من موقع إلى آخر من دون تفسير مقنع، فيترك انطباعًا بأنه ليس مراجعة سياسية، بل محاولة للتكيف مع موازين القوى الجديدة.

ولهذا السبب تحديدًا، لم ينجح اللقاء في استعادة ثقة شريحة واسعة من اللبنانيين. فالثقة لا تُبنى عبر المؤتمرات، بل عبر سجل طويل من الانسجام بين القول والفعل.

كما أن غياب معظم القوى السيادية الأساسية عن اللقاء أفقده القدرة على أن يتحول إلى مظلة وطنية جامعة. فكيف يمكن الحديث عن حماية لبنان فيما يغيب عنه قسم كبير من القوى التي رفعت منذ سنوات شعار سيادة الدولة وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني؟

المشكلة ليست في الدعوة إلى حماية لبنان، بل في هوية من يرفع هذا الشعار بعد سنوات من الخيارات السياسية التي ساهمت، وفق منتقديه، في تعميق الانقسام الداخلي وتعزيز نفوذ السلاح خارج الدولة.

إن الرأي العام اللبناني أصبح أكثر قدرة على التمييز بين المراجعة الحقيقية وإعادة التموضع السياسي. ولم يعد يكفي تغيير الخطاب لإقناع الناس بأن المرحلة السابقة قد طويت. فالذاكرة السياسية للبنانيين لا تزال تحتفظ بالمواقف والتحالفات والقرارات التي أوصلت البلاد إلى أزماتها الحالية.

وإذا كان الهدف الحقيقي هو إنقاذ لبنان، فإن البداية لا تكون بإعادة تدوير الزعامات، بل بإجراء مراجعة وطنية شجاعة، تعترف بالأخطاء، وتحدد المسؤوليات، وتطرح مشروعًا واضحًا يعيد الاعتبار للدستور، ويكرس احتكار الدولة للسلاح، ويعيد بناء المؤسسات على قاعدة الكفاءة والمحاسبة.

أما إذا كان الهدف هو إعادة تعويم زعامة سياسية تراجعت شعبيتها عبر منحها منصة جديدة تحت عنوان وطني جذاب، فإن التجربة أثبتت أن اللبنانيين أصبحوا أكثر وعيًا من أن تنطلي عليهم مثل هذه المحاولات.

إن لبنان لا يحتاج اليوم إلى لقاءات تحمل عناوين كبيرة بقدر ما يحتاج إلى رجال دولة يمتلكون ثباتًا في الموقف، ووضوحًا في الرؤية، واستعدادًا لتحمل مسؤولية الخيارات السابقة قبل المطالبة بقيادة المرحلة المقبلة.

وفي النهاية، فإن حماية لبنان لا تتحقق بالشعارات ولا بالمؤتمرات ولا بإعادة رسم الاصطفافات السياسية، بل بقيام دولة قوية، سيدة، عادلة، تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، وتخضع جميع القوى، من دون استثناء، لسلطة الدستور والقانون.

ففي السياسة، قد ينجح الخطاب في استقطاب الأضواء ليوم واحد، لكن التاريخ لا يكتب إلا بأفعال ثابتة ومواقف منسجمة. وهذا هو الامتحان الحقيقي الذي سيبقى اللبنانيون يحاكمون على أساسه جميع القوى السياسية، بمن فيهم جبران باسيل، بعيدًا عن العناوين الرنانة والمواقف المتبدلة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment