بقلم: مارون سامي عزّام
اليوم صرتِ تغضين طرفكِ عنّي عمدًا، كأنّي أحمل وباءً تخافين أن أنقُل عدواه إليكِ. توقَّفتِ عند مُفترق اللامبالاة، وجعلتِهِ حيِّزًا محظورًا على أمثالي. أمّا أنا... وقفتُ في محطّة القطار، أحدِّق في لائحة مواعيد وصوله، فتبدَّلت خياراتي مرّاتٍ عدّة، باحثًا عن مبرِّرٍ يستدعي سفري إليكِ، فلم أجد مُبرِّرًا سوى أن أُحلحل إجراءات عودتكِ العسيرة إليّ، أعلَم أنّها شكليَّة. رغم ذلك، قرَّرتُ السفر، حاملًا بيدي حقيبةَ الأملِ، مع أنّ عامًا مضى، ولم أسمع صوتَ جرسٍ يوحي ببادرةِ حُسنِ نيّةٍ منكِ!!
تركتُ أرتالَ الذكريات في ملاهي الأزمان، وكنتُ على أُهبةِ الاستعداد لقدوم قطارِ الوقتِ، ليأخذني في رحلةٍ قدريّةٍ حيث تتواجدين. بعد برهةٍ وصل، ومعه قوافلُ الأفكار التي راحت ترتِّب خطّةَ زفافنا في موكبٍ كبير، وطرحةُ الأمل البيضاء تُكلِّلُ هامتَكِ، وتراقصت أناملُ زمّارَ الوفاق فرحًا، منحتني تفاؤلًا، فبدأت رحلتي لإعادتكِ إليّ، رغم أنّها كانت بلا سندٍ وجدانيّ.
لم يبقَ في حجري حبٌّ سواكِ، لكنّه شديدُ الحرارة، يصعُب عليَّ البقاء في محيطه طويلًا، لأن أجواءه الخانقة لا تُناسب برودةَ أعصابي التي اعتادت المشاعرَ المعتدلة. أثناء رحلتي على قطارِ الوقتِ فوق سكّةِ تقارب غريبة، ضلَّ مساره فجأةً، ولم يُبشِّر ذلك بخير، لأنَّ خطَّ الحماية لم يكن مؤمَّنًا، إذ لم تُبدي الدوافعَ الحقيقيّة الكافية.
توقَّف قطارُ الوقت فجأةً، وأوحى صوتُ كوابحه بنذير كارثة؛ صفّارةُ تحذيره قد صمّت أذني. راح عدّادُ التخمينات يدور بسرعةٍ في مخيّلتي، ولم أُحسن ضبطه، ممّا اضطرّني إلى النُّزول منه على نحوٍ طارئ، تاركًا خلفي محتوياتِ حقيبةِ الأمل مُبعثرةً على أرضيّته، دون أن ألملمها، حرصًا على سلامتي لا لشيء آخر.
نزلتُ مُرغَمًا، معتقدًا أنّي قد أنجح في فصلِ قاطراتِ دقائقه عنه، لأُقلِّصَ المسافة. مجرّد فكرةٍ جنونيّة، تنطوي على إثارةٍ غير محسوبة، تخلّلتها حركاتٌ بهلوانيّةٌ تليق بأفلام الإثارة، لأنّي أحبُّ المغامراتَ، والقفزَ بين حبالِ الظنون. يبدو لي أنّ القطار قد تعطّل، واختلَّ موعدُ الوصول إلى الهدفِ المحدَّد، مع أنّني شعرتُ منذ بدايةِ الرِّحلة أنّ غرابَ الخرابِ يحوم فوق القطار!!
ستعترفين أن التوقيت يندفع بدون أي رادع... نزلتُ إلى هامش سكّة الاشتياق، لئلّا ترتطم بي قاطرات الحظوظ. تمنّيت أن أجدكِ تسيرين على أسفلت الرّيبة بتؤدة، لتوفّري عليّ مشقّة السَّفر. توقًّعت أنكِ تنظرين بازدراء إلى القطار المعطَّل الذي أفشلني. أعلم أنكِ تشمتين بي، لأن هذا ليس غريبًا عليكِ، وترفضين حتّى الوصول إلى مرحلة تصفيات البعاد.
بعد نزولي القسري من القطار، نظرتُ حولي فرأيتُ أمامي ميدانَ الفراغ، فكّرتُ في الاقتراب منه، إلّا أنّني تجنَّبتُه، إذ اعتقدتُ أنّ شبحَ الماضي يتربَّص بي، ليسلبني قدرتي على صدِّ موجة ابتعادكِ... بدأتُ أدور حول ميدان الفراغ، وتذكّرتُ آخر مرّة رأيتُكِ فيها؛ لقد كان في صوتكِ غصّةُ وداعٍ. عرفتُ أنّ مقص الافتراق قطع نيّة عودتكِ، وأن إعادة جمع قصاصتها باتت مستحيلة.
هل سألاحقكِ من جديد؟ أأنتظر توهّج شفقَ جمالكِ في فلكي ثانيةً؟ لا، بل سأكتفي بمشهد مصافحتكِ لي التي هزّت سريرَ لهفتي إليكِ. قطار الوقت المعطَّل لا أمل في إصلاحه... إبريقُ الحنين إليكِ ما زال على طاولتي، يُذكِّرني بآخر كوبِ أملٍ شربته. لقد طوى النسيان صفحتكِ وشقّ صورتكِ؛ وأصبح قطارُ الوقت حُطامًا يعرقلُ حركة تنقُّلي، بعيدًا تمامًا عن ملامسة غُبار الشوق المُفَتَّت.











07/31/2026 - 09:08 AM





Comments