رشيد ج. مينا
عدت إلى ذلك المقهى المطل على الحديقة، حيث أمارس بين الحين والآخر بعض رياضة المشي. جلست إلى طاولتي المعتادة، وطلبت فنجانًا من قهوة الإسبريسو، وبدأت أرتشفه بهدوء وأنا أقلب الأخبار على هاتفي.
استوقفني خبر يتعلق بمحاكمة حاكم مصرف لبنان السابق، الرجل الذي اشتهر يومًا بعبارته: "الليرة بخير." ثم جاءت الأيام لتكشف انهيارًا سريعًا في قيمة العملة الوطنية، وتبخرًا لودائع الناس، وأزمة مصرفية ومالية كانت من أكبر الكوارث الاقتصادية التي عرفها لبنان، وما تركته من آثار قاسية على المجتمع، ولا سيما على أولئك الذين أمضوا أعمارهم في الوظيفة ثم وجدوا تعويضات تقاعدهم ومدخرات حياتهم قد فقدت معظم قيمتها.
لا شك أن تحرك القضاء، وإن جاء متأخرًا، خطوة إيجابية، لكن السؤال الذي فرض نفسه عليّ كان: هل تختزل هذه المأساة في عدد من الموظفين أو المسؤولين التنفيذيين؟ أين المسؤولية السياسية؟ وأين الحكومات التي أدارت البلاد؟ وأين القوى التي شاركت في اتخاذ القرارات أو غضت الطرف عنها؟
إن المحاسبة الحقيقية لا تكتمل إلا عندما تشمل كل من شارك في صنع هذا الانهيار أو سكت عنه، بعيدًا عن أي اعتبارات طائفية أو مذهبية أو سياسية. فذلك وحده هو المعيار الجدي لقياس الإرادة في مكافحة الفساد، وبناء دولة القانون.
واصلت ارتشاف قهوتي، لكن التفكير أخذني إلى محطة أخرى.
بعد أيام تحل ذكرى انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب...
أين أصبحت التحقيقات؟ وأين وصلت المحاكمات؟ ولماذا تبدو القضايا الوطنية الكبرى في لبنان وكأنها تبدأ بضجيج كبير ثم تنتهي في دهاليز السياسة، دون حقيقة مكتملة أو محاسبة عادلة؟ هنا وجدت نفسي أصل إلى سؤال مختلف. لعل المشكلة ليست في هذه القضية أو تلك، بل في أصل المسار الذي يسير فيه لبنان منذ عقود.
مسار دولة لم تكتمل... ومؤسسات لم تستطع أن تفرض سلطتها... ووطن تحول مرارًا إلى ساحة تتقاطع فوقها المصالح الإقليمية والدولية.
ليس المقصود التقليل من أهمية العدوان الإسرائيلي واحتلاله لأجزاء من الأرض اللبنانية، ولا من حق الدولة في السعي إلى تحرير أرضها وحماية شعبها بكل الوسائل المشروعة، فهذه قضية سيادية لا جدال في أهميتها. لكن بناء الدولة لا يكتمل أيضًا في ظل استمرار الازدواجية في القرار الأمني والعسكري، ولا في ظل ربط جزء من القرار الوطني بمحاور إقليمية، في وقت يعاني فيه العالم العربي من حالة ضعف وتشتت غير مسبوقة.
وأنا غارق في هذه الأفكار، سألت نفسي: هل يستطيع لبنان أن ينتقل يومًا من مشروع دولة إلى واقع دولة؟ وكيف يتحقق ذلك، فيما يكاد كل خلاف داخلي يستدعي تدخلًا خارجيًا؟
- وزير يدلي بتصريح لا يرضي دولة ما، فتبدأ الضغوط.
- خلاف بين رئيس حكومة ووزير يتحول إلى وساطات خارجية.
- تباين بين القوى السياسية يدفع إلى المطالبة بمؤتمر إقليمي أو دولي.
- حتى العلاقات بين رؤساء المؤسسات الدستورية كثيرًا ما تحتاج إلى وسطاء من خارج الحدود.
أي دولة هذه التي يعجز أبناؤها عن إدارة شؤونهم بأنفسهم؟
حاولت أن أرتشف قهوتي من جديد... فاكتشفت أن الفنجان قد فرغ. احتسيت الرشفة الأخيرة دون أن أشعر بطعمها، لأن الأسئلة كانت أكثر حضورًا من مذاق القهوة. وانتهيت إلى قناعة أراها جوهر الطريق إلى الخروج من هذا النفق.
إن الانتقال من مشروع الدولة إلى الدولة، ومن الساحة إلى الوطن، لا يتحقق بالشعارات، ولا بإدارة الأزمات، بل بتغيير حقيقي في بنية السلطة ونهجها، بعيدًا عن التبعية والارتهان لأي جهة خارجية، واستعادة القرار الوطني ليكون خاضعًا للمصلحة اللبنانية وحدها.
كما أن هذا الانتقال يحتاج إلى وعي شعبي، وإرادة وطنية، ووحدة تقوم على المواطنة لا على العصبيات، وحوار حر ومسؤول يؤسس لديمقراطية فعلية، لا ديمقراطية توافقية تقوم على المحاصصة وتقاسم النفوذ.
ويحتاج أيضًا إلى قانون انتخاب عصري يحقق صحة التمثيل، ويعزز قيام الحياة السياسية على البرامج والكفاءة، لا على الانتماءات الضيقة، مع رقابة عربية ودولية تضمن نزاهة العملية الانتخابية، في إطار قانون يصوغه خبراء ومختصون ينطلقون من خصوصية الواقع اللبناني ومن إرادة اللبنانيين في بناء دولة المؤسسات، واستقلال القضاء، والعدالة، والمساواة، وتكافؤ الفرص.
عندها فقط، لن تكون المحاسبة حدثًا استثنائيًا، ولن تبقى الحقيقة رهينة السياسة، ولن يظل الوطن مشروعًا مؤجلًا. عندها يصبح لبنان دولةً يحكمها القانون، لا موازين القوى، ووطنًا يجتمع فيه أبناؤه حول مصلحة وطنية عليا، لا ساحةً تتنازعها المشاريع والولاءات.











07/31/2026 - 09:18 AM





Comments