بركات شاهين
حين تُذكر الخيانة، يتبادر إلى الذهن معناها التقليدي: التعاون مع عدو، أو إفشاء أسرار، أو الإضرار بأمن الوطن ومصالحه. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تقتصر الخيانة على هذا المعنى وحده، أم أن هناك صورًا أخرى لا تقل خطرًا عنها، وإن اختلفت في الوسائل؟
إن من يحرق الغابات عمدًا، أو يسمم الأنهار، أو يلوث الهواء والماء والتربة، أو يبدد الثروات الطبيعية دون اكتراث بالعواقب، لا يعتدي على الطبيعة فحسب، بل يعتدي على حق الإنسان في الحياة، ويقوض أسس التنمية والاستقرار. فآثار هذه الممارسات لا تقف عند حدود الحاضر، وإنما تمتد لعقود، وربما لقرون، لتدفع الأجيال القادمة ثمن خيانة لم ترتكبها.
وتبلغ الخيانة ذروتها حين تتحول الاختراعات والابتكارات، التي كان من المفترض أن تكون في خدمة الإنسان، إلى أدوات لتدمير البيئة، أو وسائل لإنتاج أسلحة الدمار الشامل التي تهدد الوجود الإنساني بأسره. كما أن تغليب المصالح الاقتصادية الضيقة على حساب البيئة، أو التهاون في تنفيذ الالتزامات البيئية الدولية، تجاه كوكب الأرض.
لقد بات من الثابت أن استمرار التلوث، والاستغلال الجائر للموارد الطبيعية، يسهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري، وما يرافقها من موجات حر شديدة، وحرائق غابات متكررة، وارتفاع مستوى سطح البحار، وتدهور النظم البيئية، وتراجع التنوع الحيوي، وتلوث الهواء والمياه. وهذه ليست مشكلات بيئية فحسب، بل تحديات تمس الأمن الغذائي والصحي والاقتصادي، وتستوجب تعاونًا دوليًا حقيقيًا لمواجهتها.
وعلى المستوى المحلي، تبرز مدينة حمص مثالًا لما نجم عن تمركز منشآت صناعية كبرى، مثل مصفاة النفط، والمحطة الحرارية، ومجمع الأسمدة، في نطاق جغرافي واحد، وما ترتب على ذلك من آثار بيئية وصحية نتيجة تلوث الهواء والمياه، وانعكاساته على صحة السكان. كما تواجه مدن أخرى، مثل دمشق وحلب، إضافة إلى مناطق الساحل السوري، تحديات بيئية مشابه ..
ومن أبرز الأمثلة التي تستحق الوقوف عندها التحولات البيئية التي رافقت تجفيف سهل الغاب، وقطع أشجار الفاكهة في بعض المناطق واستبدالها بمحاصيل أخرى، كالقطن في السلمية والتبغ في الساحل، فضلًا عن التعدي على المحميات الطبيعية في البلعاس و قلع أشجار الغوطة و تلويث المياه الجوفية لمدينة دمشق ..قد أسهمت هذه السياسات والممارسات في إحداث اختلالات بيئية عميقة تركت آثارًا بعيدة المدى في المناخ المحلي، والتنوع الحيوي، والموارد المائية، والإنتاج الزراعي.
وقد تمثلت أبرز نتائج هذه التحولات في اتساع رقعة الجفاف والتصحر، وتقلص المساحات الخضراء منذ عام 1957، إلى جانب تراجع معدلات الهطول المطري إلى نحو النصف، وارتفاع متوسط درجات الحرارة بنحو سبع درجات مئوية مقارنة بخمسينيات القرن الماضي. وأدى ذلك إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وتسارع الهجرة من الريف إلى المدن، وما نتج عنها من تضخم سكاني في المراكز الحضرية، رافقته أعباء بيئية وخدمية واقتصادية استنزفت جانبًا كبيرًا من عوائد التنمية، وأضعفت قدرتها على تحقيق تنمية مستدامة.
ومن هنا، فإن الاعتداء المتعمد على البيئة الذي يؤدي إلى تدميرها، ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه مجرد مخالفة إدارية أو بيئية، بل باعتباره اعتداءً على المصلحة العامة، يستوجب المساءلة والمحاسبة بشدة . فحماية البيئة مسؤولية وطنية وأخلاقية وإنسانية، وهي في جوهرها دفاع عن الحياة نفسها، لأن الأوطان لا تُهزم بالحروب وحدها، بل بالجرائم المرتكبة بحق أرضها ومائها وهوائها .











07/29/2026 - 16:50 PM





Comments