غسان صفير
يُحكى أن البطريرك عريضة رهن صليبه ليُطعم الفقراء. لم يعتبر أن قدسية الرسالة تكمن في الذهب والفضة، بل في الإنسان. أدرك أن قيمة الكنيسة لا تُقاس بما تملك، بل بما تقدّمه، وأن الرسالة التي لا تقف إلى جانب الإنسان في ضعفه تفقد جزءاً من جوهرها، مهما ازدانت بالرموز والشعارات.
اليوم، تبدّل المشهد.
لم تعد المؤسسات ترهن ما تملك لإنقاذ الناس، بل صار الناس هم الذين يرهنون بيوتهم ليؤمّنوا التعليم لأولادهم، أو العلاج لعائلاتهم، أو مستقبلاً يليق بهم. وبين الصورتين، لا فرق في الزمن فحسب، بل فرقٌ في معنى الرسالة.
المفارقة المؤلمة أن رسالة الخدمة التي وُجدت لإحتضان الإنسان، تحوّلت في بعض جوانبها إلى نموذجٍ مؤسساتي يرهقه بدل أن يحتضنه، حتى أصبح الفقير عاجزاً عن الوصول إلى مؤسسات يفترض أنها أُنشئت لخدمته.
المؤسسة التي يجد المؤمن نفسه مضطراً أمامها إلى الإستدانة أو رهن منزله للحصول على تعليمٍ لأولاده أو علاجٍ لعائلته، تحتاج إلى مراجعة عميقة.
فالرسالة لا تُقاس بفخامة الأبنية، ولا بترف السيارات، ولا بضخامة الميزانيات، بل بعدد البيوت التي لم تضطر إلى الرهن، وعدد المرضى الذين لم يُتركوا لعجزهم، وعدد الأولاد الذين لم يُحرموا من التعليم بسبب الفقر.
فالرسالة الحقيقية لا تُقاس بما تملكه المؤسسة، بل بما تُنقذه من كرامة الإنسان، وخصوصاً عندما يكون عاجزاً.
المؤسسات لا تسقط عندما تُنتقد، بل عندما تعتاد التناقض بين ما تعلنه وما تمارسه. فالرسائل لا تموت دفعةً واحدة، بل تذبل عندما يصبح الحفاظ على المؤسسة أهم من الحفاظ على الإنسان.
البطريرك عريضة رهن صليبه ليحفظ كرامة الفقير.
أما اليوم، فكثيرون يرهنون بيوتهم للوصول إلى مؤسساتٍ تحمل الصليب، في وقتٍ كان الصليب يُحمل عنهم.
قلة فرق... لكنه الفرق بين أن تُرهن الرموز من أجل الإنسان، وأن يُرهن الإنسان من أجل الرموز.
بين صليبٍ رُهن للفقراء... وبيوتٍ رُهنت للمؤسسات، تختصر الحكاية مسافةً مؤلمة بين رسالةٍ كانت تخدم الإنسان، ومؤسسةٍ يُخشى أن يصبح الإنسان في خدمتها.
وبارك يا سيّد...
#بس_هيك













07/28/2026 - 07:57 AM





Comments