لبنان... من منطق المحاور إلى منطق الدولة

07/27/2026 - 12:46 PM

San Diego

 

 

سيرينا جمال دملج *

منذ ما يقارب نصف قرن، عاش لبنان في قلب شبكة معقدة من الصراعات الإقليمية، حتى بات يُنظر إليه، في كثير من الأحيان، بوصفه ساحةً تتقاطع فوق أرضها مصالح الآخرين أكثر مما يُنظر إليه بوصفه دولةً تمتلك قرارها الوطني المستقل.

وخلال تلك العقود، لم تكن المشكلة الأساسية محصورة في الانقسامات السياسية أو الأزمات الاقتصادية أو حتى الحروب المتكررة، بل في تراجع مفهوم الدولة نفسها، حين تعددت مراكز القرار، وأصبح السؤال حول من يملك حق اتخاذ قرار الحرب والسلم أكثر حضورًا من السؤال حول كيفية بناء المؤسسات وحماية الدستور.

واليوم، ومع التحولات التي يشهدها لبنان والمنطقة، يبدو أن البلاد تقف أمام فرصة مختلفة، ليس لأنها أصبحت بمنأى عن المخاطر، بل لأن النقاش السياسي أخذ ينتقل تدريجيًا من منطق المحاور الإقليمية إلى منطق الدولة الوطنية.

الدولة ليست طرفًا بين الأطراف

أحد أهم الدروس التي خرج بها اللبنانيون من العقود الماضية هو أن الدولة لا تستطيع أن تكون مجرد طرف بين أطراف متعددة تمتلك جميعها أدوات القوة والقرار. فالدولة، بحكم تعريفها، هي المرجعية التي تحتكر شرعية استخدام القوة، وتدير السياسة الخارجية، وتتخذ قرار الحرب والسلم باسم جميع المواطنين، لا باسم فئة أو حزب أو جماعة.

وعندما يغيب هذا المبدأ، يصبح من الطبيعي أن تتراجع هيبة المؤسسات، وأن تتداخل الحدود بين القرار الوطني والقرار الإقليمي، وأن تتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات الخارجية.

من الحروب إلى مراجعة الأسئلة

لقد خاض لبنان، خلال العقود الماضية، حروبًا كثيرة دفعت أثمانها الدولة والمجتمع والاقتصاد. لكن السنوات الأخيرة، بما حملته من مواجهات عسكرية وتداعيات سياسية واقتصادية، أعادت طرح السؤال الذي تجنب اللبنانيون الإجابة عنه طويلًا: هل تستطيع أي دولة أن تستعيد عافيتها إذا بقي قرارها السيادي موزعًا بين أكثر من جهة؟

قد تختلف الإجابات السياسية، لكن التجارب المتراكمة تشير إلى أن بناء الدولة يبدأ حين تصبح مؤسساتها المرجع الوحيد في القضايا المصيرية، وفي مقدمتها قرار الحرب والسلم.

لغة جديدة في الخطاب الرسمي

ما يلفت الانتباه في المرحلة الراهنة ليس فقط تغير الوقائع، بل تغير اللغة السياسية نفسها. فالخطاب الرسمي اللبناني بات يركز بصورة متزايدة على استعادة دور المؤسسات الدستورية، وتعزيز موقع الجيش اللبناني، وترسيخ مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، وإعادة وصل لبنان بمحيطه العربي والمجتمع الدولي من موقع الدولة، لا من موقع الساحة.

ولعل ما شهدته الأشهر الأخيرة من انفتاح دبلوماسي، وزيارات رئاسية، ومفاوضات مباشرة، واهتمام عربي ودولي متجدد، يعكس أن المجتمع الدولي بات يتعامل مع الدولة اللبنانية باعتبارها الشريك الأساسي في أي ترتيبات مقبلة، لا مجرد وسيط بين مراكز قوى متنافسة.

السيادة ليست شعارًا

كثيرًا ما جرى استخدام كلمة "السيادة" في الحياة السياسية اللبنانية كشعار يتغير مع تبدل الاصطفافات. غير أن السيادة، في معناها العملي، ليست خطابًا سياسيًا، بل هي قدرة المؤسسات الدستورية على اتخاذ القرار الوطني وتنفيذه، وعلى أن يكون السلاح خاضعًا لسلطة القانون وحده، وأن تُدار العلاقات الخارجية وفق المصالح العليا للدولة.

ومن هنا، فإن استعادة السيادة لا تبدأ من البيانات، بل من إعادة بناء الثقة بالمؤسسات، وتكريس مبدأ المساواة أمام القانون، وترسيخ احتكار الدولة لوسائل القوة الشرعية.

الدولة لا تُبنى ضد أحد

وربما تكمن أهمية المرحلة الحالية في أنها تتيح للبنان فرصة الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة الوطنية. فبناء الدولة لا يعني إقصاء أي مكوّن لبناني، ولا الدخول في صراع مع أي شريحة من المجتمع، بل يعني أن تصبح جميع القوى السياسية خاضعة للقواعد الدستورية نفسها، وأن يكون الاحتكام النهائي إلى المؤسسات التي تمثل جميع اللبنانيين.

وعندما تصبح الدولة هي الإطار الجامع للجميع، يتحول الاختلاف السياسي إلى جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية، بدل أن يتحول إلى مصدر دائم للأزمات.

السلام بوصفه مشروعًا للدولة

لقد أثبتت التجارب أن السلام ليس نقيض الكرامة الوطنية، كما أن الحرب ليست مرادفًا للسيادة. فالسلام الحقيقي هو الذي يمنح الدولة القدرة على حماية حدودها، وتنمية اقتصادها، واستعادة ثقة مواطنيها، وفتح آفاق التعاون مع العالم.

أما الحروب، مهما كانت دوافعها، فإنها تفقد معناها حين تصبح الدولة نفسها عاجزة عن التحكم بمسارها أو بنتائجها.

ولهذا، فإن مستقبل لبنان لن يُقاس بعدد المواجهات التي يخوضها، بل بقدرته على ترسيخ دولة تمتلك قرارها، وتحمي مواطنيها، وتفتح أمامهم أبواب الاستقرار والازدهار.

وربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل تغير لبنان؟

بل هل أصبح اللبنانيون مستعدين لمنح دولتهم الفرصة التي حُرمت منها طوال نصف قرن؟

فالدول لا تُبنى بالشعارات، ولا تستعيد سيادتها بالخطب وحدها، بل حين يصبح الاحتكام إلى المؤسسات ثقافة وطنية راسخة، ويغدو قرار الحرب والسلم قرارًا دستوريًا يصدر باسم الدولة وحدها... وعندها فقط، لا يعود السلام مجرد نهاية للحروب، بل يصبح بداية لقيام الدولة.

 

* إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية مقيمة في واشنطن

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment