صديقي عبدالله غياث
تحية وسلام
ثَمَّةَ رسائلُ لا تُكتبُ لتقولَ كلَّ شيء، بل لتفتحَ في القلبِ كُوَّةً على ما استعصى على القول، وتُطلُّ من الروحِ على سرٍّ لا يبوح به إلا الصدق حين يخلع عنه زخرفه. وهذه واحدةٌ من تلك الرسائل التي أردتُ لها أن تكون أقرب إلى الاعتراف منها إلى الجواب، وأبعد من المعنى العابر إلى ذلك الأثر الذي يبقى في النفس كما يبقى العطر في الثوب بعد انصراف اليد.
سألتني عن عزلتي، وعن هذا التعلّق الذي تراه بي بالقراءة والكتابة، كأنني أفرُّ إليهما فرارَ القلب من ضوضاءٍ لا يطيقها، أو كأنني ألوذ بهما لئلا تبتلعني الأصوات التي لا تُنصت إلا إلى نفسها. وما كانت العزلة عندي يومًا انقطاعًا عن الحياة، بل كانت، وما تزال، الطريقَ الأصفى إلى جوهرها. فيها أسمعني كما أنا، بلا رتوشٍ تضعها العيون، ولا أقنعةٍ يفرضها الناس، ولا ضجيجٍ يكدّر مرآة الداخل. فيها أرى الأشياء عاريةً من زينتها، فتبدو لي أصدق، وأقرب إلى حقيقتها الأولى.
أما القراءة، فليست عندي عادةً من عادات الفكر، ولا ترفًا من ترف الروح، بل هي حاجةٌ عميقة، تشبه حاجة الشجرة إلى جذورها، وحاجة الطير إلى فضائه. لقد قادتني إلى كتب التاريخ والفلسفة والحكمة، لأنني كنت أبحث فيها عن الإنسان في مداه الواسع، وعن الزمن في دهائه، وعن المعنى في تقلّبه. فالتاريخ يعلمني أن البشر يعيدون جراحهم بأسماء جديدة، والفلسفة تردني إلى السؤال حين يظن الناس أنهم بلغوا الجواب، والحكمة تضع في يدي مصباحًا صغيرًا أمشي به في ليلٍ طويل. وما كنت ألجأ إلى هذه الكتب إلا لأنني وجدت فيها ما يحفظ للروح توازنها، وللعقل يقظته، وللقلب شيئًا من الطمأنينة التي لا تمنحها الدنيا إلا نادرًا.
وأما الكتابة، فقد صرتُ إليها كما يصير الإنسان إلى صوته حين يعجز الصمت عن حمل ما في داخله. غير أنني لم أعد أراها غايةً مكتفية بذاتها، بل محاولةً للقبض على ما لا يُمسك، وعلى اللمعة التي تفرّ من بين الأصابع إذا أوهمتنا أننا ملكناها. فكثيرٌ من الكتابة يمرّ كالغناء، يلمع لحظةً ثم يتلاشى، ويترك في الهواء صدى لا يكفي ليصنع في النفس مقامًا. وبعض الكتب تقرؤها فلا يبقى منها فيك إلا أثرٌ خفيف، كأنها مرّت بك مرور السحاب، لا مطرٌ فيه ولا ظل.
وربما من أجل ذلك مِلتُ إلى النقد أكثر من مِيلِي إلى الكتابة الخالصة؛ لأنني كنت أريد أن أقترب من جوهر الأشياء لا من زينتها، وأن أزن القول بميزانٍ لا يخضع للانفعال ولا يستسلم للبريق. ولأنني رأيتُ كثيرين يظنون أن الشمس لا تشرق إلا من زوايا عقولهم، فيغلقون على أنفسهم نوافذ المعرفة، ثم يتحدثون كأنهم أوصياء على النهار.
ثم إن بيتي، البعيد عن الناس، القائم بين الأشجار، قد زادني التصاقًا بهذا الميل إلى التأمل والقراءة. هناك، في حضن الطبيعة، حيث لا يعلو إلا صوت الريح، وحيث الأشياء الصغيرة تتجلّى في بهاءٍ لا يراه إلا من أطال النظر، وجدت عالمي الأقرب. أنيسي هناك الله، وما أودعه في الأرض من شؤون الحياة: الشجر، والذرات، والزهور، وحركة الحيوان في سكينته، وكل ما يبدو صغيرًا في عين العابر، لكنه في عيني آية.
أتأمل كلَّ ذرة، وكل شجرة، وكل لون زهرة، وكل حركة كائنٍ يمضي في هذا الوجود كأنها رسالةٌ خفية من السرّ إلى من يحسن الإصغاء. وما أجمل هذا العالم حين يبتعد قليلًا عن صخب الناس، لأن غيابهم أحيانًا لا يورث فراغًا، بل يهبُ الأجواء صفاءها، والقلب طمأنينته، والروح فسحتها التي تسترد فيها نفسها من غبار الأيام.
ولعلك تسألني أيضًا عن ذلك الخوف الذي يسكنني من مجتمع اليوم. وأقول لك بلا مواربة: إن ما يخيفني ليس المال في ذاته، بل ذلك النفوذ الخفي حين يتحول من وسيلةٍ إلى سلطان، ومن خادمٍ إلى سيد، ومن نعمةٍ إلى قيد. وليس هذا مقصورًا على الساسة وحدهم، بل هو ممتدٌّ إلى وجوه كثيرة، من رجال الدين، وأصحاب العلم، وغيرهم ممن لبسوا أقنعة مختلفة، حتى صار المرء لا يدري أين يضع ثقته، ولا إلى أيّ صوتٍ يصغي.
أخاف حين أرى النفوس تبيع صفاءها في سبيل ما يلمع، ثم تمضي مزهوةً كأنها لم تخسر من روحها شيئًا. لذلك أزداد تعلقًا بالقراءة والكتابة، لأنهما تردّاني إلى ما هو أصدق من السوق، وأبقى من الصخب، وأقرب إلى الإنسان حين يكون في صفائه الأول، لا حين يتزين بما ليس منه.
فإذا سألتني، يا عبدالله، عن سرّ هذا الميل إلى العزلة، وإلى القراءة، وإلى الكتابة، فجوابي أنني لم أهرب من الحياة، بل كنت أفتش عن صورتها الأصفى. أبحث عن موضعٍ لا تبتلعني فيه الضوضاء، ولا يجرّني فيه الزيف إلى ما لا أشبهه. وأجد في الكتب، وفي الطبيعة، وفي الصمت، وفي الإصغاء الجميل إلى الداخل، ما يعيد إليّ توازني، ويمنحني القدرة على أن أظل وفيًّا لما فيّ من معنى.
أكتب إليك لا لأغلق باب الدنيا، بل لأحفظ في القلب نافذةً مفتوحة على النور. فالعزلة عندي ليست جدارًا، بل أفق. والقراءة ليست هربًا، بل عبور. والكتابة ليست زينةً للكلام، بل شهادةٌ للروح على أنها ما تزال قادرة على أن تقول ما يليق بها.
بتلون في ٢٠ يوليو ٢٠٢٦
أخوك
فاروق غانم خداج













07/27/2026 - 11:27 AM





Comments