رشيد ج. مينا
من أين أبدأ؟ أو بالأحرى، أي طريق يجب أن أسلك؟
أنهيت دراستي الجامعية وأنا في الثانية والعشرين من عمري، ونلت الشهادة في الاختصاص الذي اخترته. يومها اعتقدت، كما يعتقد كثير من الشباب، أنني أصبحت أملك مفاتيح المستقبل، وأن الطريق بات مفتوحًا أمامي لتحقيق أحلامي وصناعة مستقبلي.
لكن تلك الأحلام لم تلبث أن اصطدمت بالواقع. فما إن انتهت فرحة النجاح حتى وجدت نفسي أهبط سريعًا من فضاء الأمنيات إلى أرض مليئة بالعقبات.
أنا في وطن الأمن فيه مهزوز، والدولة ضعيفة، ومؤسساتها مترهلة، والفساد ينهش معظم مفاصلها. وطن يحمل فيه آلاف الشباب شهاداتهم الجامعية، لكنهم يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة: الهجرة، أو انتظار فرصة قد لا تأتي، أو العمل في مهن لا تمت بصلة إلى اختصاصاتهم.
حينها بدأت الأسئلة تتزاحم في ذهني: هل أسافر؟ أم أقبل بأي عمل؟ وهل أبحث عن تحقيق ذاتي، أم عن أي مصدر دخل يمكنني من الزواج وبناء أسرة؟ ولعل هذا هو التفكير الذي يسيطر على كثير من الشباب؛ استعجال الوصول إلى المال وكأن قطار العمر سيفوتهم، أو لأنهم فقدوا الثقة بإمكانية بناء حياة مستقرة تقوم على عمل ثابت، وسكن معقول، وبيئة آمنة، ودولة تحمي الحقوق وتؤدي واجباتها.
لكن حتى هذه الأحلام البسيطة تبدو بعيدة المنال في وطن أصبح المواطن فيه مطالبًا بأن يؤمن بنفسه كل مقومات الحياة؛ السكن، والعمل، والاستشفاء، والتعليم، والكهرباء، والمياه، والمواصلات، والاتصالات، وغيرها من أبسط الحقوق التي يفترض أن توفرها الدولة.
ومع ذلك بدأت رحلة العمل. عملت في اختصاصي فترة من الزمن، لكن الدخل لم يكن كافيًا، فاضطررت إلى عمل إضافي في مجال آخر. تزوجت، واستأجرت منزلًا، ورزقت بالأولاد، لكن الرحلة لم تصبح أسهل، بل ازدادت تعقيدًا، لأن المسؤوليات تكبر يومًا بعد يوم، بينما تبقى الإمكانات محدودة، ويستمر الوضع الاقتصادي في الانحدار، حتى يصبح السؤال اليومي: كيف أؤمن الحد الأدنى من متطلبات الحياة؟ وهنا أدركت أن ما أعيشه ليس قصتي وحدي، بل هو قصة جيل كامل، وقضية مجتمع، وأزمة وطن.
إلى أين نسير؟ وكيف يمكن لهذا البلد أن يتعافى ويخرج من ذلك النفق الطويل الذي دخله منذ عقود، فأضاع أحلام أجيال كاملة، ولا يزال يهدد حاضر الشباب ومستقبل الأجيال القادمة؟
إن هذا الواقع لم يكن وليد الصدفة، ولا نتيجة أخطاء إدارية عابرة، بل هو حصيلة مسار سياسي طويل تقاطعت فيه مصالح قوى الداخل مع مشاريع القوى الخارجية، فتحول لبنان تدريجيًا من وطن يمتلك مقومات الدولة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وكلما اشتدت صراعات المنطقة، كان لبنان من أكثر الساحات التي دفعت الثمن سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
وفي ظل هذا الواقع، تراجع مفهوم الدولة، وتقدمت الولاءات الطائفية والمذهبية والمحاور الخارجية على حساب الانتماء الوطني، فأصبح القرار الوطني أسيرًا للتجاذبات، وتعطلت المؤسسات، وتراجعت التنمية، وتبددت فرص الاستقرار، وتحول التنوع الذي كان مصدر غنى ثقافي وحضاري إلى وسيلة للانقسام والتنافس على النفوذ والمكاسب.
ولذلك فإن المسؤولية الكبرى لا تقع على المواطن الذي ولد في هذا الواقع ولم يعرف دولة حقيقية ولا مؤسسات فاعلة، وإنما تقع على القوى التي تعاقبت على الحكم، واستهانت بالوطن والمواطن، وارتضت أن تكون جزءًا من مشاريع الوصاية الخارجية، وربطت القرار الوطني بمصالح الآخرين، وقدمت الولاءات الخارجية على المصلحة الوطنية العليا، ففرطت بالسيادة، وأضعفت مؤسسات الدولة، وأدخلت لبنان في نفق ما زال شعبه يدفع ثمنه حتى اليوم.
إن استمرار هذا المسار يعني استمرار هجرة الشباب، واستنزاف الطاقات، واتساع الفقر، وتراجع الإنتاج، وتعميق الانقسام، بينما يحتاج لبنان إلى مسار مختلف يبدأ بإعادة الاعتبار للدولة بوصفها المرجعية الوحيدة لجميع اللبنانيين، لا مجرد إطار شكلي تتقاسم صلاحياته القوى المتنافسة.
إن إنقاذ لبنان لا يكون بإدارة الأزمات أو إعادة إنتاج الأسباب التي أوصلته إلى هذا الواقع، بل ببناء دولة حقيقية تمتلك قرارها الوطني الحر، وتبسط سيادتها الكاملة على جميع أراضيها، وتعمل على تحرير ما تبقى من أرض محتلة من الاحتلال الإسرائيلي، وتوقف جميع أشكال التدخل الخارجي في شؤونها. دولة لا تقوم فيها دولة داخل الدولة، ولا يكون فيها سلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية، لأن السيادة لا تتجزأ، والقرار الوطني لا يحتمل الازدواجية.
كما أن المستقبل يتطلب حوارًا وطنيًا حرًا وديمقراطيًا، بعيدًا عن الضغوط والإملاءات، يهدف إلى بناء أسس متينة للوحدة الوطنية، وتطوير النظام السياسي بما يعزز المواطنة والولاء للوطن، ويحرر الدولة من قيود المحاصصة الطائفية والمذهبية، ويضمن استقلال القضاء، ويجعل المساواة وتكافؤ الفرص أساسًا في الحقوق والواجبات وتولي المسؤوليات.
عندها فقط يستطيع الشاب اللبناني، بعد تخرجه، أن يبدأ رحلته وهو يفكر في بناء مستقبله داخل وطنه، لا في كيفية الهروب منه. وعندها فقط يعود لبنان وطنًا لأبنائه، لا ساحةً لصراعات الآخرين، وتعود الدولة دولة، والمؤسسات مؤسسات، ويصبح الأمل بالمستقبل مشروعًا وطنيًا لا حلمًا فرديًا مؤجلًا.










07/26/2026 - 18:46 PM





Comments