الدكتور سعيد محمد ابو رحمة
إن مصادقة الكابينت الإسرائيلي على مخطط يسمح بدخول مجلس السلام والقوات الدولية متعددة الجنسيات إلى قطاع غزة، بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تعكس أن ملف اليوم التالي للحرب دخل مرحلة أكثر جدية من النقاش السياسي، وأن الصراع لم يعد يدور فقط حول العمليات العسكرية، بل انتقل إلى معركة أوسع حول شكل النظام الأمني والسياسي الذي سيحكم غزة بعد الحرب.
هذه الخطوة تشير إلى محاولة إسرائيل الانتقال من نموذج السيطرة العسكرية المباشرة إلى نموذج جديد يقوم على إدارة غير مباشرة للقطاع؛ بحيث تتراجع كلفة الوجود العسكري الإسرائيلي اليومي، مقابل الحفاظ على نفوذ أمني من خلال ترتيبات دولية وقوة متعددة الجنسيات، بمعنى آخر لا يبدو أن إسرائيل تتجه إلى التخلي عن دورها في تحديد مستقبل غزة، بل تحاول إعادة صياغة هذا الدور بطريقة أقل كلفة وأكثر قبولًا دوليًا.
يأتي هذا الطرح لمعالجة معضلة استراتيجية تواجه حكومة نتنياهو، فهي ترفض عودة حركة حماس إلى إدارة القطاع، لكنها تدرك أن استمرار السيطرة العسكرية المباشرة على غزة لفترة طويلة يحمل أعباء كبيرة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي، إضافة إلى تصاعد الضغوط الدولية. لذلك فإن خيار وجود قوة دولية وإدارة مدنية بديلة يقدم لإسرائيل صيغة وسط بين الانسحاب الكامل وبين الاحتلال المباشر.
كما يبدو مرتبطًا برغبة إسرائيلية في الوصول إلى الإدارة الأميركية ومعها تصور واضح لمرحلة ما بعد الحرب. فنتنياهو بحاجة إلى إقناع ترامب بأن إسرائيل لا تخوض حربًا بلا نهاية، بل تعمل على بناء ترتيبات جديدة تحقق ثلاثة أهداف أساسية من وجهة النظر الإسرائيلية: منع عودة حماس إلى الحكم، ضمان ترتيبات أمنية طويلة الأمد، وتخفيف الضغوط الدولية المتعلقة بالوضع الإنساني في غزة.
كما أن القرار يمنح نتنياهو ورقة سياسية داخلية، في ظل الانتقادات التي تواجه حكومته بشأن إدارة الحرب وغياب رؤية واضحة للنهاية. فطرح مشروع سياسي لمرحلة ما بعد الحرب يسمح له بتقديم صورة أنه لا يدير معركة عسكرية فقط، بل يعمل على إعادة تشكيل الواقع في غزة وفق رؤية استراتيجية.
لكن جوهر القضية لا يتعلق فقط بدخول قوات دولية، وإنما بطبيعة هذه القوات وصلاحياتها ومرجعيتها السياسية. فهناك فرق بين قوة هدفها حماية المدنيين، دعم إعادة الإعمار، والمساعدة في انتقال سياسي فلسطيني، وبين قوة تتحول إلى أداة لإدارة القطاع أمنيًا وفق شروط إسرائيلية.
إن قرار الكابينت الإسرائيلي لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً أمنيًا فقط، بل باعتباره جزءًا من صراع على هندسة مستقبل غزة. فالمواجهة القادمة قد لا تكون حول السيطرة على الأرض فقط، وإنما حول من يملك حق تحديد شكل الحكم، ومن يتحكم في إعادة الإعمار. وبينما تحاول إسرائيل تقديم نموذج يقوم على الأمن أولًا والإدارة الدولية المؤقتة، يبقى السؤال المركزي: هل ستكون هذه الترتيبات جسرًا نحو حل سياسي شامل، أم مجرد صيغة جديدة لإدارة الصراع وتأجيل استحقاقاته؟.











07/26/2026 - 08:25 AM





Comments