مفيد خطّار
كما في الفاتيكان، كذلك في لبنان. فعندما يتصاعد الدخان الأبيض من كنيسة السيستين، تُزفُّ إلى المؤمنين بشرى انتخاب بابا جديد، علامةً على استمرار الرسالة وتجدّد الرجاء. وهكذا أيضًا، وسط ما يرزح تحته لبنان من أزماتٍ وما يعتريه من خوفٍ على المصير، تُعلن الكنيسة بشارةً من نوعٍ آخر، فتُتوِّج هامةَ المكرَّم البطريرك إلياس الحويّك بإكليل الطوباوية.
غير أنّ هذه البشرى لا تخصّ المسيحيين وحدهم، ولا تُختزل في احتفالٍ كنسيّ، بل تمتدّ بركتها إلى كلّ لبنانيّ، أيًّا يكن دينه أو طائفته، إذا كان قد اختار لبنان الرسالة وطنًا نهائيًّا له، وآمن بأنّ هذا الوطن لا يُبنى إلّا بالشراكة والحرّيّة وكرامة الإنسان. فالبطريرك الحويّك لم يحمل همَّ جماعةٍ بعينها، بل حمل قضيّة وطنٍ أراده بيتًا لجميع أبنائه. ولذلك، فإنّ تطويبه ليس استحضارًا لمجد الماضي فحسب، بل دعوةٌ متجدّدة إلى أن يصبح كلُّ لبنانيّ حرفًا من حروف رسالة لبنان، وشريكًا في صونها. فالقداسة ليست ذكرى تُحتفل بها، بل رسالةٌ تُعاش، ولبنان، مهما اشتدّت محنه، لا يزال قادرًا على أن يلد رجالًا ونساءً يجعلون من الإيمان خدمة، ومن المحبّة وطنًا، ومن الرجاء مستقبلًا.
في لحظةٍ يثقل فيها لبنان بأزماته المتراكمة، ويبدو كأنّ الأسئلة فيه تتقدّم على الأجوبة، تعود سيرةُ البطريرك الطوباويّ إلياس الحويّك لا بوصفها صفحةً من التاريخ، بل بوصفها مرآةً لسؤالٍ لم يُحسم بعد:
كيف يبقى وطنٌ إذا انحسر معناه؟
ليست الطوباوية وسامًا يُعلَّق على صدر التاريخ، بل انكشافٌ روحيّ وأخلاقيّ يدفع الإنسان إلى حدوده القصوى، فيكتشف أنّ الإيمان لا يبقى فكرةً في الذهن، بل يصير فعلًا يوميًّا: في رغيفٍ يُقسَّم، وفي خوفٍ يُحتوى، وفي كرامةٍ تُنتزع من بين أنياب الجوع.
في هذا السياق، لا يأتي تطويبُ البطريرك إلياس الحويّك تتويجًا لشخصٍ، بقدر ما هو إضاءةٌ على زمنٍ كان فيه لبنان يقف على حافّة الانهيار: مجاعةٌ تُفرغ البيوت من أصواتها، وحربٌ عالميّة تعبر الجبال بلا رحمة، وسلطةٌ تتداعى تحت ثقل نهايتها. هناك، لم يكن السؤال سياسيًّا فحسب، بل وجوديًّا أيضًا:
كيف يبقى الإنسان إنسانًا في قلب العدم؟
لم يكن الحويّك خارج الناس، بل بينهم. كان يعبر المسافة بين المقام والوجع، كما يعبر الضوء شقًّا في جدارٍ معتم. في سنوات الجوع، لم تكن الوجوه أرقامًا، بل عيونًا معلّقةً على رغيف الخبز بوصفه آخر احتمالات الحياة، وكان الفعل، في جوهره، مقاومةً هادئةً للفناء.
وحين كانت الحرب تعيد رسم الخرائط فوق الأجساد، لم يكن هاجسه قيام كيانٍ سياسيّ فحسب، بل حماية الإنسان من أن يتحوّل إلى أثرٍ محذوف. كان السؤال أبعد من السياسة وأحدَّ منها:
كيف لا يموت الناس وهم أحياء؟
بعد أكثر من قرن، تبدّلت وجوه المأساة، لكنّ جوهرها لم يتبدّل. فإذا كان لبنان الأمس قد عرف مجاعةً في الخبز وحربًا تهدّد وجوده، فإنّ لبنان اليوم يعيش مجاعةً في الثقة والعدالة والأمل. وإذا كانت المجاعة قد دفعت الناس يومًا إلى البحث عن لقمة العيش، فإنّ الانهيار الاقتصادي يدفعهم اليوم إلى الهجرة بحثًا عن مستقبلٍ يليق بكرامتهم. وإذا كانت الحرب الكبرى قد حصدت الأرواح، فإنّ الحروب والأزمات المتلاحقة ما تزال تحصد ما تبقّى من استقرارهم وأمانهم. وبين الأمس واليوم، يبقى الإنسان اللبناني هو الضحية الأولى.
ولعلّ أخطر ما يواجهه لبنان اليوم ليس الانهيار الاقتصادي وحده، ولا الهجرة المتزايدة، ولا التهديدات الأمنية فحسب، بل المجاعة الأخلاقية التي تُضعف الضمير العام، وتُفرغ المسؤولية من معناها، وتجعل المصلحة الخاصة تتقدّم على الخير العام. فحين تتآكل القيم، يصبح انهيار المؤسسات نتيجةً لا سببًا، ويغدو الوطن مهدّدًا من الداخل قبل أن تهدّده الأخطار من الخارج.
من هنا تخرج عبارته التي التصقت بسيرته: «مجدُ لبنان أُعطي له». غير أنّ هذا المجد لم يكن امتيازًا يُمتلك، بل أمانةً تُحمَل؛ لا يُقاس بالسلطة، بل بالخدمة، ولا بالنفوذ، بل بالمسؤوليّة. فما يُعطى بالتاريخ لا يبقى إلّا بما يُصنع في الحاضر، وما يُورَّث لا يستمرّ إلا إذا تحوّل إلى رسالةٍ تُعاش.
ولم يكن هذا المسار فعلَ رجلٍ واحد، بل ثمرةَ لحظةٍ تلاقت فيها قوى متشابكة: كنيسةٌ تبحث عن ثباتها وسط العاصفة، ونخبٌ فكريّة وسياسيّة في الداخل والمهجر سعت إلى صياغة كيانٍ يحمي التعدّد قبل أن يعرّفه، وواقعٌ مشرقيّ كان يتبدّل بسرعةٍ تفوق قدرة الوعي على اللحاق به. ومن هذا التقاطع التاريخيّ وُلد لبنان الكبير، لا ككيانٍ اكتمل، بل كمشروعٍ لا يزال يسعى إلى تحقيق ذاته.
لكنّ ما يتجاوز السيرة هو ذلك التحوّل الصامت: أن يصبح الإنسان علامةً لا تشير إلى ذاته، بل إلى ما يتجاوزه. هنا لا تعود الطوباوية احتفالًا بشخص، بل اعترافًا بأنّ التاريخ قد ينفتح أحيانًا على المعنى عبر فعلٍ إنسانيّ نادر.
فالأوطان لا تُحفظ بالقوّة وحدها. فالقوّة تحرس الحدود، لكنها لا تحرس المعنى. وما يصون العيش المشترك ليس تطابق الناس، بل قدرتهم على تحويل الاختلاف من جدارٍ إلى جسر، ومن خوفٍ متبادل إلى إمكانيّة حياة.
وحين يصبح الإنسان مركز الرؤية، لا تعود التعدّدية انقسامًا، بل شكلًا من أشكال الوجود الممكن؛ فلا يذوب المختلف في غيره، ولا يتحوّل إلى عدوّ، بل يجاور غيره في تلك المسافة التي تجعل اللقاء ممكنًا، والحياة مشتركة.
من هنا، لا يعود لبنان جغرافيا فحسب، بل سؤالًا مفتوحًا:
كيف تستطيع أرضٌ صغيرة أن تتّسع لفكرة العيش معًا دون أن تنكسر؟
وفي لحظات الانكسار الكبرى، لا يبقى من الوطن إلا ما يقدر الإنسان أن يحمله في ضميره. وهناك تتجلّى راهنيّة الحويّك. فهو لا يدعونا إلى تمجيد الماضي، بل إلى استعادة الروح التي صنعته. فكما واجه مجاعة الجسد بخدمة الإنسان، يبقى اللبنانيون اليوم مدعوّين إلى مواجهة مجاعة القيم، ونزيف الهجرة، وانهيار الدولة، بالروح نفسها: روح المسؤولية، والتضحية، والإيمان بأنّ الإنسان هو غاية الوطن، لا وسيلته.
لقد جعل الطوباويّ البطريرك إلياس الحويّك من حياته شهادةً للإنسان، ومن خدمته معنىً للبنان. ولعلّ أعظم ما تتركه سيرته للبنانيين اليوم ليس ذكرى رجلٍ عظيم، بل يقينًا متجدّدًا بأنّ الوطن لا يقوم بما نأخذه منه، بل بما نبذله له؛ وأنّ مجد لبنان ليس امتيازًا نرثه، بل أمانةٌ نحياها، ونصونها كلَّ يومٍ بالمحبّة، والعدالة، والخدمة.












07/26/2026 - 15:10 PM





Comments