إيران... حين يصبح استرجاع الأمس أصعب من مواجهة الغد

07/23/2026 - 13:05 PM

Your Ad Here

 

 

سيرينا جمال دملج *

قد تنتهي الحروب بتوقيع هدنة، وقد تتوقف الغارات بقرار سياسي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الزمن يعود إلى الوراء. فالدول، كما الأفراد، قد تستعيد ما تهدّم من جسور ومنشآت، لكنها لا تستعيد بسهولة المكانة التي فقدتها، ولا النفوذ الذي تراجع، ولا شبكة العلاقات التي أعادت الأحداث رسم حدودها.

ومن هنا، تبدو إيران اليوم أمام اختبار يختلف عن كل ما واجهته خلال العقود الماضية. فالمسألة لم تعد تقتصر على كيفية تجنب مواجهة عسكرية جديدة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل أصبحت تتعلق بسؤال أكثر تعقيدًا: هل تستطيع طهران أن تستعيد الإقليم الذي عرفته قبل الحرب؟

ما بعد الحرب ليس كما قبلها

جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن احتمال دراسة عملية عسكرية جديدة ضد إيران لتؤكد أن التوتر لم ينتهِ، وأن خيار القوة ما زال حاضرًا في الحسابات الأميركية. لكن هذه التصريحات، على أهميتها، لا تبدو وحدها العنصر الأكثر تأثيرًا في مستقبل إيران. فالتحول الأعمق يتمثل في أن البيئة السياسية التي كانت تتحرك فيها طهران خلال السنوات الماضية تغيرت بصورة لافتة، سواء داخل إيران نفسها أو في الإقليم.

لقد دخلت الجمهورية الإسلامية مرحلة جديدة تتداخل فيها الأسئلة المتعلقة بقيادة النظام، وإدارة المؤسسات، وشكل العلاقة بين القرار السياسي والقرار العسكري، مع تحديات خارجية لا تقل تعقيدًا.

أسئلة الداخل... قبل رهانات الخارج

لا يزال الغموض يحيط بكيفية إدارة المرحلة التي أعقبت اغتيال المرشد السابق، وما إذا كانت مراكز القرار داخل النظام ستتمكن من المحافظة على مستوى الانسجام الذي ميّز العقود الماضية.

وفي الوقت نفسه، تتابع الأوساط السياسية باهتمام ما يُقال عن اختلاف في مقاربات بعض مؤسسات الدولة، بين من يعطي الأولوية لاحتواء الضغوط الاقتصادية والسياسية، ومن يرى أن التشدد يبقى الخيار الأفضل في مواجهة الضغوط الخارجية.

وسواء كانت هذه التباينات كبيرة أو محدودة، فإنها تعكس واقعًا جديدًا يفرض على القيادة الإيرانية إدارة تحديات داخلية بالتوازي مع مواجهة الضغوط الخارجية.

الإقليم تغيّر

لكن ربما يكون التحدي الأكبر خارج الحدود. فخلال فترة زمنية قصيرة، شهد الشرق الأوسط سلسلة تحولات سياسية متلاحقة أعادت رسم كثير من التوازنات: في سوريا، تبدلت السلطة، وبدأت دمشق تبحث عن موقع مختلف في علاقاتها الدولية. وفي العراق، دخلت البلاد مرحلة سياسية جديدة ترافقها محاولات لإعادة تثبيت مؤسسات الدولة وعلاقاتها الخارجية. أما لبنان، فقد انخرط في مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل، بالتوازي مع جهود رسمية لاستعادة القرار السيادي وتعزيز حضور الدولة.

وفي جميع هذه الملفات، بدت الولايات المتحدة حاضرة سياسيًا بصورة أوضح، سواء عبر اللقاءات الرئاسية، أو عبر دعم المسارات التفاوضية، أو من خلال إعادة بناء شراكاتها مع الحكومات القائمة.

النفوذ لا يُرمَّم كما تُرمَّم المنشآت

قد تتمكن الدول، مع مرور الوقت، من إعادة بناء قواعدها العسكرية، أو ترميم منشآتها المتضررة. أما النفوذ السياسي، فله منطق مختلف. فهو يقوم على شبكة معقدة من التحالفات والثقة والمصالح والظروف الإقليمية، وهي عناصر لا يمكن إعادة إنتاجها بمجرد انتهاء الحرب.

ولهذا السبب، فإن التحدي الحقيقي أمام إيران لا يكمن فقط في إعادة بناء قدراتها، بل في معرفة ما إذا كانت البيئة الإقليمية التي سمحت لها بتوسيع نفوذها خلال العقود الماضية ما زالت موجودة أصلًا.

واشنطن تراهن على السياسة أيضًا

في المقابل، يبدو أن الإدارة الأميركية لا تكتفي بمنطق الردع العسكري. فالتحركات السياسية الأخيرة توحي بأن واشنطن تحاول تثبيت وقائع جديدة في المنطقة، تقوم على دعم الحكومات الوطنية، وتشجيع مسارات التفاوض، وتعزيز دور مؤسسات الدولة، بما يحد من نفوذ القوى المسلحة غير التابعة للدول.

ومن هذه الزاوية، يصبح تقليص النفوذ الإيراني جزءًا من مشروع سياسي طويل الأمد، لا مجرد نتيجة لضربة عسكرية أو مواجهة عابرة.

المستقبل لا يشبه الأمس

ربما تستطيع إيران تجاوز أزمتها الحالية، كما تجاوزت أزمات كثيرة في الماضي. وربما تتمكن، مع مرور الوقت، من إعادة بناء جزء من قدراتها العسكرية والاقتصادية.

لكن السؤال الذي سيبقى مطروحًا هو ما إذا كانت المنطقة نفسها ما زالت تسمح بعودة المشهد الذي عرفته قبل الحرب. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب لا تغيّر موازين القوى فقط، بل تغيّر أيضًا اتجاهات السياسة، وتعيد رسم الأولويات، وتفتح أبوابًا جديدة أمام الفاعلين الإقليميين والدوليين.

ولهذا، قد يكون التحدي الأكبر الذي تواجهه طهران اليوم ليس مواجهة الغد، بل استرجاع الأمس، لأن الزمن السياسي، بخلاف الذاكرة، لا يعود إلى الوراء بسهولة.

 

* كاتبة وإعلامية لبنانية - روسية تعيش في واشنطن

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment