عودة الخط الجوي الأميركي إلى لبنان: فرصة للدولة أم اختبار لقدرتها؟

07/23/2026 - 12:30 PM

Arab American Target

 

 

بيار مارون *

جاء الإعلان عن استئناف الرحلات التجارية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان عقب الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس جوزيف عون إلى البيت الأبيض، حيث عقد اجتماعاً مع الرئيس دونالد ترامب تناول ملفات الأمن، ودعم الجيش اللبناني، ومستقبل التعاون بين البلدين. وينهي القرار عملياً حظراً استمر قرابة أربعة عقود، فُرض عام 1985 عقب اختطاف طائرة تابعة لشركة TWA كانت تقلّ ركاباً أميركيين، واستمر منذ ذلك الحين رغم فترات من الاستقرار النسبي في لبنان.

وقد اعتُبر القرار الجديد مؤشراً على تحسّن العلاقات الثنائية، وعلى تنامي الثقة بالإجراءات الأمنية في مطار رفيق الحريري الدولي، في خطوة قد تسهم في إعادة وصل لبنان بالاقتصاد الأميركي بعد سنوات من الانقطاع. ولا يزال تنفيذ القرار مرهوناً بمراجعة أمنية شاملة للمطار، فيما لم يُحدَّد بعد موعد بدء الرحلات ولا الشركات التي ستُشغّلها.

ويمثّل هذا القرار أكثر من مجرد افتتاح خط جوي جديد. فهو يبعث برسالة إيجابية حول إمكان إعادة دمج لبنان في الاقتصاد العالمي بعد أعوام من الانهيار المالي، والشلل السياسي، وتراجع المؤسسات، والأزمات الإقليمية المتلاحقة. غير أنّ تحسين الاتصال الجوي، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يحلّ محل الإصلاحات البنيوية التي يحتاجها لبنان لاستعادة النمو والثقة.

لقد كانت بيروت يوماً مركزاً تجارياً ومالياً وثقافياً بارزاً في الشرق الأوسط. إلا أنّ هذا الدور تراجع بفعل إرث الحرب الأهلية، والفساد المزمن، وضعف الحوكمة، والانهيار المالي عام 2019، وانفجار مرفأ بيروت، وتكرار الصراعات الإقليمية، بما فيها المواجهات الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل.

ورغم تراجع الدور التاريخي لـ بيروت، تبقى الجالية اللبنانية - الأميركية إحدى أهم ركائز هذه الفرصة، إذ تحافظ على روابط عائلية وثقافية وتجارية متينة مع الوطن الأم. ومن شأن إلغاء محطات الترانزيت الطويلة عبر أوروبا أو الخليج أن يزيد من حركة السفر، ويعزز التواصل، ويرفع الإنفاق في قطاعات الضيافة والتجارة والخدمات. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن تحويلات اللبنانيين من الخارج بلغت نحو 6.0 مليارات دولار في عام 2023، ما يجعلها أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد اللبناني. ومع ذلك، بقيت مساهمة الجالية، إلى حدّ كبير، محصورة في التحويلات المالية أكثر من الاستثمارات الإنتاجية، وذلك بفعل استمرار المخاوف المرتبطة بعدم الاستقرار السياسي، والغموض القانوني، وأزمة القطاع المصرفي، والمخاطر الأمنية.

وثمة بُعد آخر يمسّ المغترب مباشرة، فعلى مدى أربعة عقود ظلّ الوصول الجوي بين الولايات المتحدة ولبنان شبه محصور برحلات الترانزيت عبر أوروبا أو الخليج أو تركيا، وهو واقع انعكس على المغترب اللبناني والسائح الأجنبي على حدّ سواء بأسعار تذاكر مرتفعة ومواعيد سفر مرهقة. وفتح الأجواء أمام رحلات أميركية مباشرة يعني، قبل أي حساب اقتصادي أوسع، منافسة حقيقية تصبّ في مصلحة المسافر نفسه، إذ إن المنافسة، لا القرار السياسي وحده، هي ما يخفض الأسعار فعلياً ويوسّع الخيارات أمام المغترب والسائح معاً.

وفي الاقتصاد الحديث، يشكّل الاتصال المباشر عنصراً أساسياً في التنافسية وسهولة ممارسة الأعمال. فهو يخفض كلفة المعاملات، ويختصر زمن اتخاذ القرار، ويجعل لبنان أكثر سهولة للوصول بالنسبة إلى رجال الأعمال والمستثمرين. فالمدير التنفيذي الذي يستطيع الوصول مباشرة إلى بيروت يصبح أكثر استعداداً لعقد الاجتماعات، وتقييم المشاريع، وبناء شراكات طويلة الأمد. غير أن المستثمرين لا يكتفون بسهولة الوصول؛ فسيادة القانون، واستقلال القضاء، وإصلاح القطاع المصرفي، والاستقرار المالي، وتوافر الكهرباء، تبقى العوامل الحاسمة فعلاً.

وتُظهر تجارب دول مثل سنغافورة وأيرلندا أن تحسين الربط الجوي مع الأسواق الكبرى يمكن أن يكون محفزاً للنمو، لكنه لا يحقق أثره الكامل إلا عندما يقترن بسيادة القانون، وبيئة أعمال تنافسية، واستثمار مستمر في البنية التحتية ورأس المال البشري. أما الاستقرار النسبي الذي شهده لبنان أخيراً، والمدفوع بالتحويلات، والدولرة الجزئية، وانتعاش السياحة، فيبقى هشّاً ما لم تسنده إصلاحات من هذا النوع.

كما ستنعكس الرحلات المباشرة إيجاباً على الشحن الجوي، إذ تحمل طائرات الركاب أيضاً شحنات ذات قيمة مرتفعة، ما يسهّل تصدير الأدوية والمنتجات الزراعية والمعدات الطبية إلى السوق الأميركية في وقت أقصر. وللاستفادة من هذه الميزة، يحتاج لبنان إلى تطوير قاعدة تصديرية أكثر كفاءة، وسلاسل إمداد موثوقة، ومعايير جودة قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.

وتحمل هذه الخطوة قيمة رمزية لا تقل أهمية عن بعدها الاقتصادي، إذ تعكس الموافقة الأميركية مستوى من الثقة بالإجراءات الأمنية في مطار رفيق الحريري الدولي بعد التحسينات التي أُدخلت على أنظمة التفتيش ومكافحة التهريب. وهذه رسائل تلتقطها الأسواق، والشركات، والجهات التنظيمية بسرعة.

لكن الثقة لا تُبنى بقرار واحد، بل باستمرارية الأداء؛ فاستمرار وجود قرار أمني أو عسكري خارج مؤسسات الدولة يرفع من تقدير المخاطر لدى المستثمرين وشركات التأمين، مهما تحسنت المؤشرات الأخرى. ولذلك تبقى استعادة الدولة لاحتكارها الكامل للقرار الأمني عنصراً أساسياً في ترسيخ الثقة، ذلك أن الشركاء الدوليون لا يحكمون على التحسينات المؤقتة، بل على قدرة الدولة المستدامة على توفير الأمن والاستقرار.

إن استئناف الرحلات المباشرة ليس امتيازاً سياسياً بقدر ما هو اختبار للثقة. فالرحلات الجوية يمكن أن تُستأنف بقرار، لكن الحفاظ عليها يتطلب أداءً مستداماً. وإذا أراد لبنان أن يحوّل هذا الخط إلى رافعة اقتصادية حقيقية، فعليه أن يبرهن، يوماً بعد يوم، أن مؤسساته قادرة على صون أمن الطيران، وترسيخ سيادة القانون، وتوفير بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار.

ولا يزال لبنان يمتلك عناصر قوة حقيقية: شعباً ريادياً، وقوة عاملة متعلّمة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وجالية عالمية مؤثرة. وهذه المقومات يمكن أن تشكل قاعدة لانطلاقة جديدة إذا اقترنت بإصلاحات جدية، ومؤسسات أكثر كفاءة، وبيئة أمنية مستقرة.

إن الرحلات المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان تمثل فرصة، لكنها ليست حلاً بحد ذاتها. فهي تعيد فتح نافذة على أكبر اقتصاد في العالم، وتعزز التواصل مع الجالية، وتسهّل التجارة والاستثمار، وترسل رسالة إيجابية إلى الأسواق. أما تحويل هذه الفرصة إلى مسار اقتصادي مستدام، فيبقى مسؤولية الدولة اللبنانية وحدها.

فالطائرات تنقل الناس والبضائع، لكنها لا تبني الدول. فالدول تُبنى بالإصلاحات، وسيادة القانون، ومؤسساتٍ فاعلة، لا بالخطوط الجوية. والدولة اللبنانية وحدها هي التي تستطيع أن تنقل لبنان إلى مستقبله.

 

* باحث ومحلّل استراتيجي

رئيس، مؤسسة دروع لبنان الموحّد (SOUL)

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment