بويز يروي، ريمون إده... فخامة الضمير، وإلياس سركيس... الرئيس الذي وافق

07/23/2026 - 12:11 PM

Jonathan Amireh

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز

ليست كل جلسة مع رجل دولة مجرد حديث، فهناك لقاءات تشبه فتح خزائن الذاكرة الوطنية، حيث لا يروي الجالس أمامك أحداثاً عاشها فحسب، بل يعيد تشكيل مرحلة كاملة من تاريخ لبنان، بما فيها من رجال وأخطاء وفرص ضائعة.

هكذا كان لقائي، قبل سنوات، بمعالي وزير الخارجية السابق الدكتور فارس بويز، في جلسة امتدت أكثر من خمس ساعات، ثم أبت الذاكرة أن تغلق أبوابها، فاستمرت ساعتين إضافيتين، فالوقت غير موجود في فضاء الفكر. وفارس بويز ليس وزير خارجية سابقاً فحسب، ولا مجرد حقوقي مرموق ومشهور أو دبلوماسي عرف دهاليز القرار العربي والدولي، إنه من تلك القلة التي ولدت في بيت كانت السياسة فيه ثقافة قبل أن تكون سلطة، وعمل وطني قبل أن تكون منصباً.

عاش قلب القرار اللبناني في أكثر مراحله تعقيداً، وجالس ملوكاً ورؤساء ووزراء خارجية العالم، لكنه بقي يحمل في حديثه هدوء كسروان التي تطل على البحر، ودقة القانوني، وحنين اللبناني الذي يخشى أن يضيع وطنه بين روايات السياسيين. وفي تلك الجلسة سألته عن النائب الجنوبي الراحل جان عزيز، ذلك السياسي الذي كان بويز يذكره بإجلال قلّ نظيره، جنباً إلى جنب وبفخار عظيم مع العميد ريمون إده. وهنا انتقل الحديث إلى واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخ الجمهورية: الرئاسة ودين براون، حيث لم يكن يجري اختيار رئيس للبنان، بل كان يجري امتحان ضمير لبنان.

العميد ريمون إده. هذا الضمير الخالد الذي تذكره جبيل ولبنان كل عام، وكأنه حارس الهيكل اللبناني وطقوسه. جبيل التي وجدت بها أحزاب وتيارات جارفة كانت جميعها تتوقف عند قلعة حضوره، فكان هو الأمة اللبنانية. فبعض الرجال تتحول أسماؤهم إلى مؤسسات، أما هو فتحول إلى معيار أخلاقي. وإذا كان ميشال شيحا قد رأى أن لبنان لا يقوم إلا على الحرية، فإن ريمون إده كان التجسيد الحي لتلك الحرية. كان يؤمن بأن الوطن لا يُقاس بمساحته، بل بمقدار سيادته، وأن الدولة التي تستعين بالخارج لتحكم الداخل تكون قد فقدت علة جوهر وجودها ودورها.

لم يكن العميد زعيماً يبحث عن الرئاسة، بل كانت الرئاسة تبحث عنه زعيماً يثبت كرسيها ويهبها الرهبة والقداسة. ولم يكن يقيس مواقفه بميزان الربح والخسارة، بل بميزان الكرامة الوطنية. لذلك بقي في الوجدان اللبناني، لا كزعيم ماروني، بل كضمير للجمهورية، وكآخر الفرسان الذين اعتبروا أن خسارة المنصب أهون من خسارة السيادة.

عام 1976، وقبيل الانتخابات الرئاسية، حمل المبعوث الأميركي دين براون مبادرة صاغتها إدارة هنري كيسنجر، تقوم على دخول الجيش السوري إلى لبنان تحت عنوان "قوة عربية" لإعادة الاستقرار. كان الأميركيون يبحثون عن رئيس يمنح هذا التدخل شرعية دستورية، وكان ريمون إده يومها المرشح الطبيعي.

قال له براون، في محاولة لإغرائه: "سينتشر الجيش السوري في لبنان، لكنه سيكون عملياً تحت إمْرتك كرئيس للجمهورية."

ابتسم العميد، لا ابتسامة المنتصر، بل ابتسامة من أدرك أن الامتحان الحقيقي قد بدأ. سأل براون: كيف يكون جيش دولة لا تعترف أصلاً بلبنان، ولا تقيم معه علاقات دبلوماسية، خاضعاً لرئيس الجمهورية اللبنانية؟ وكيف تكون السيادة سيادة إذا جاءت على ظهر دبابة أجنبية؟

وحين كرر براون عرضه ثلاث مرات، جاءه الرد الذي دخل التاريخ: "إذا كان هذا شرطكم، فأستطيع أن أعطيك خمسين شخصية مارونية تقبل بذلك... أما أنا، فلن أكون الرجل الذي يستعين بجيش أجنبي ليحكم وطنه."

في تلك اللحظة، لم يسقط ترشيح ريمون إده، بل ارتفع اسمه فوق كل استحقاق. ولم يكن هذا الامتحان مقتصراً على العميد وحده، فقد وصل إلى النائب الجنوبي جان عزيز، القامة القانونية والوطنية التي رأت أن السيادة ليست بنداً قابلاً للتفاوض. رفض هو الآخر أن يمنح شرعية لدخول عسكري خارجي، مهما كانت الذرائع، مؤمناً بأن الدول التي تبدأ بالتنازل عن سيادتها لا تعرف أين تنتهي تنازلاتها.

وبقي اسم واحد: إلياس سركيس. كان سركيس رجل الدولة الهادئ، ابن المدرسة الشهابية، والقاضي الذي آمن بالمؤسسات أكثر مما آمن بالشعارات. لم يكن رجل صفقات، ولا باحثاً عن المجد الشخصي، بل موظفاً كبيراً في خدمة الدولة، عرفته الإدارة اللبنانية بالنزاهة والانضباط والكفاءة.

لكن التاريخ لا يحاكم الرجال على نياتهم وحدها، بل على قراراتهم أيضاً. وجد سركيس نفسه أمام معادلة قاسية صاغتها واشنطن: إما القبول بالدخول السوري باعتباره العلاج المرّ الوحيد لمنع انهيار لبنان، وإما استمرار الحرب بلا أفق. اختار أن يوافق. ولم يكن في قراره خيانة، كما يحلو للبعض أن يصوره، بل اقتناع بأن الدولة ربما يمكن إنقاذها إذا توقفت الحرب، ولو بثمن سيادي باهظ.

وفي الثامن من أيار 1976، انتُخب رئيساً للجمهورية في قصر منصور، وسط خطوط التماس والقذائف، بدعم سوري ومساندة من الجبهة اللبنانية، فيما قاطعت الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط الانتخابات، لأنها رأت في هذا المسار تكريساً للتدخل السوري.

ومن المفارقات التاريخية أن كمال جنبلاط كان يعارض الدخول السوري ويعارض الخيار الأميركي بشدة، خاصة أنه بلا ضوابط وشروط تحفظ السيادة اللبنانية، لكن الذي رفضه زعماء لبنان حينها قبلت به واشنطن في إطار تسوية أوسع.

وتكشف وثيقة أميركية سرية، أفرج عنها لاحقاً، أن دين براون أبلغ الرئيس الأميركي جيرالد فورد بعد عودته من بيروت أن انتخاب إلياس سركيس لن يصنع سلاماً، بل "هدنة قلقة"، وأن التحدي الحقيقي سيبقى في إعادة فرض الأمن. وهذا ما حدث بالفعل.

وهنا يكمن الفارق بين الرجلين: ريمون إده خسر الرئاسة، لكنه ربح التاريخ. وإلياس سركيس ربح الرئاسة، لكنه حمل على كتفيه أثقل تسوية عرفها لبنان.

أن بعض الرجال لا تخلدهم المناصب، بل تخلدهم اللحظة التي يقولون فيها "لا"، حين يكون الجميع مستعداً لأن يقول "نعم".

 
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment