إيران... الجغرافيا والتاريخ: لماذا احتاجت طهران إلى عمق خارج حدودها؟

07/21/2026 - 11:16 AM

Bt adv

 

الحلقة الثانية من سلسلة: "إيران... بين الثورة والجغرافيا والنفوذ: كيف تشكل المشروع الإيراني؟"

 

معتز فخرالدين *

في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، تناولنا كيف انتقلت إيران بعد ثورة عام 1979 من دولة تعيش تحولًا داخليًا إلى مشروع سياسي يحمل تصورًا لدور يتجاوز حدودها الجغرافية. ورأينا أن مفهوم "تصدير الثورة" لم يكن مجرد شعار أيديولوجي، بل تحول تدريجيًا إلى رؤية أمنية وسياسية تقوم على بناء نفوذ خارج الحدود. لكن لفهم هذا التحول، لا بد من التوقف عند سؤال أساسي: لماذا شعرت إيران أصلًا بالحاجة إلى بناء هذا العمق الخارجي؟

الإجابة لا ترتبط فقط بالثورة، بل تتداخل فيها عوامل الجغرافيا والتاريخ والتجارب الأمنية التي شكلت رؤية إيران لنفسها وللعالم من حولها.

الجغرافيا الإيرانية... بين الموقع والقيد

تحتل إيران موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية؛ فهي تقع عند نقطة التقاء الخليج العربي وبحر عمان وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، وتشرف على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

هذا الموقع منحها أهمية استراتيجية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه جعلها تشعر بحساسية أمنية دائمة. فإيران دولة واسعة ذات حدود طويلة، لكنها محاطة أيضًا ببيئة إقليمية معقدة، شهدت خلال العقود الماضية وجود قوى دولية كبرى وصراعات متكررة. ومن منظور صانعي القرار الإيراني، لم يكن الأمن يعني فقط حماية الحدود الجغرافية، بل امتلاك القدرة على التأثير في البيئات المحيطة قبل أن تتحول التهديدات إلى خطر مباشر.

ومن هنا نشأ مفهوم "الدفاع المتقدم"؛ أي نقل خطوط المواجهة بعيدًا عن الداخل الإيراني عبر بناء علاقات وتحالفات مع قوى خارج الحدود. وهذا المفهوم يفسر جانبًا أساسيًا من السياسة الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

مضيق هرمز... ورقة الجغرافيا الاستراتيجية

لا يمكن فهم التفكير الإيراني دون التوقف عند مضيق هرمز. فهذا الممر البحري ليس مجرد نقطة جغرافية، بل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وقد أدركت إيران منذ عقود أن موقعها يمنحها ورقة استراتيجية كبيرة، لكنها أدركت أيضًا أن اعتمادها على ممر بحري ضيق يجعل أمنها مرتبطًا بتوازنات إقليمية ودولية معقدة. ولهذا أصبح الخليج مسرحًا دائمًا للتنافس بين إيران والقوى الإقليمية والدولية الموجودة فيه.

فإيران ترى أن وجود قواعد عسكرية أمريكية في محيطها يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها، خصوصًا أن الولايات المتحدة تمتلك حضورًا عسكريًا واسعًا في الخليج والمنطقة.

في المقابل، ترى دول الخليج والولايات المتحدة أن السلوك الإيراني، خصوصًا التهديد بإغلاق هرمز أو استخدامه كورقة ضغط، يمثل تهديدًا لأمن الملاحة والطاقة العالميين. وهكذا تحولت الجغرافيا من عامل طبيعي إلى أداة في الصراع السياسي.

من الخليج إلى المتوسط... البحث عن العمق

إذا كان الخليج يمثل الجبهة البحرية الأساسية لإيران، فإن الوصول إلى المتوسط مثل هدفًا استراتيجيًا أكثر عمقًا. فبناء علاقات قوية مع العراق وسوريا ولبنان منح إيران امتدادًا جغرافيًا وسياسيًا يصل إلى شرق المتوسط. ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن هذا الامتداد يوفر:

- عمقًا أمنيًا في مواجهة الخصوم.

- قدرة على الردع خارج الأراضي الإيرانية.

- أوراق تأثير في ملفات إقليمية حساسة.

لكن خصوم إيران يرون أن هذا المسار تجاوز فكرة التحالف الطبيعي بين الدول، وتحول إلى مشروع نفوذ يستخدم قوى محلية مسلحة لتغيير موازين القوى داخل دول المنطقة.

وهنا ظهر الخلاف الأساسي: هل تبحث إيران عن حماية نفسها عبر بناء شبكة تحالفات، أم أنها تستخدم الهواجس الأمنية لتبرير التوسع خارج حدودها؟

التاريخ... ذاكرة التدخل وصناعة الحساسية تجاه الغرب

إلى جانب الجغرافيا، لعب التاريخ دورًا كبيرًا في تشكيل العقل السياسي الإيراني. ويأتي انقلاب عام 1953 على حكومة محمد مصدق في مقدمة الأحداث التي تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الإيرانية. فبعد قرار مصدق تأميم النفط الإيراني، أدى تدخل أجهزة استخبارات أمريكية وبريطانية إلى سقوط حكومته وعودة نفوذ الشاه.

بالنسبة لكثير من الإيرانيين، لم يكن هذا الحدث مجرد صراع سياسي داخلي، بل دليلًا على استعداد القوى الكبرى للتدخل في شؤون بلادهم عندما تتعارض مصالحها مع القرار الإيراني. وقد أصبح هذا الحدث أحد العناصر التي ساهمت في بناء خطاب الثورة عام 1979، خصوصًا خطاب رفض الهيمنة الغربية. لكن هنا تظهر مفارقة مهمة: فالذاكرة التاريخية قد تفسر شعور إيران بالتهديد، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال حدود استخدام هذا الشعور لتبرير سياسات خارجية تؤثر في دول أخرى.

الحرب العراقية-الإيرانية... ولادة العقيدة الأمنية الجديدة

جاءت الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) لتشكل نقطة تحول كبرى في التفكير الأمني الإيراني. فقد اندلعت الحرب بعد تصاعد الخلافات بين بغداد وطهران عقب الثورة الإيرانية عام 1979، وفي ظل توترات سياسية وحدودية متراكمة، كان من أبرز ملفاتها الخلاف حول اتفاقية الجزائر لعام 1975 التي نظمت الحدود بين البلدين في منطقة شط العرب، قبل أن يعلن العراق إلغاءها في أيلول/سبتمبر 1980 وتبدأ العمليات العسكرية الواسعة.

كما شهدت تلك المرحلة تصاعدًا في التوتر السياسي بين البلدين بسبب محاولة الثورة الإيرانية تصدير خطابها الأيديولوجي إلى المنطقة، وما رافق ذلك من دعم طهران لبعض القوى الشيعية المعارضة لنظام الرئيس صدام حسين داخل العراق، وهو ما اعتبرته بغداد تدخلًا في شؤونها الداخلية وتهديدًا مباشرًا لاستقرارها. في المقابل، رأت إيران أن دعم القوى المتحالفة (المستضعفين، وفق تعبير الخطاب الثوري الإيراني) معها جزء من مواجهة نظام بعثي اعتبرته معاديًا للثورة ومشروعها الإقليمي.

وخلال ثماني سنوات من الحرب، شهدت المواجهة تحولات كبيرة؛ فبعد تقدم القوات العراقية في بدايات الحرب داخل الأراضي الإيرانية، تمكنت إيران لاحقًا من استعادة معظم المناطق التي خسرتها، ثم انتقلت في مراحل لاحقة إلى شن عمليات داخل الأراضي العراقية.

وفي عام 1988 استعادت القوات العراقية شبه جزيرة الفاو، وحققت سلسلة من المكاسب العسكرية التي جاءت بالتزامن مع تصاعد حرب المدن، واستنزاف اقتصادي وعسكري كبير للطرفين. وفي ظل هذه التطورات، قبلت إيران وقف إطلاق النار بموجب قرار مجلس الأمن رقم 598، وهو القرار الذي وصفه آية الله الخميني بأنه كان "أشبه بتجرع كأس من السم"، في إشارة إلى صعوبة القرار والظروف التي دفعتها إلى قبوله.

غير أن أهمية هذه اللحظة لم تكن في بعدها العسكري فقط، بل في أثرها العميق على تصور القيادة الإيرانية للأمن والردع.

وكانت الحرب العراقية-الإيرانية أول اختبار عسكري واسع واجهته الجمهورية الإسلامية بعد قيام الثورة، وقد تركت نتائجها وآثارها شعورًا عميقًا بالمرارة لدى القيادة الإيرانية، خصوصًا بعد اضطرارها إلى قبول وقف إطلاق النار عام 1988. فقد رأت طهران أن الثورة التي قدمت نفسها باعتبارها مشروعًا قادرًا على مواجهة الضغوط الخارجية وجدت نفسها أمام واقع عسكري وسياسي صعب، ما دفع القيادة الإيرانية إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي، والبحث عن أدوات ردع لا تقتصر على حدودها الجغرافية. ومن هنا تعزز دور الحرس الثوري، ليس فقط كقوة عسكرية داخلية، بل كأداة لتنفيذ رؤية أمنية خارج الحدود. وبدأت تتبلور فكرة أن إيران بحاجة إلى بناء حلفاء قادرين على مواجهة خصومها في ساحات متعددة.

من هاجس الأمن إلى سياسة النفوذ

هكذا تداخلت ثلاثة عوامل لتشكيل السياسة الإيرانية:

- الثورة: التي منحت المشروع بعده الأيديولوجي.

- التاريخ: الذي صنع ذاكرة الخوف من التدخل الخارجي.

- الجغرافيا: التي دفعت إلى البحث عن عمق استراتيجي.

لكن هذه العوامل، التي تراها إيران عناصر دفاع وحماية، أنتجت في نظر خصومها سياسة توسع ونفوذ.

ومن هنا تبدأ المرحلة التالية من القصة: كيف تحولت هذه الرؤية إلى شبكة أذرع إقليمية تمتد من لبنان إلى العراق واليمن وسوريا؟

هذا ما سنناقشه في الحلقة الثالثة: "الأذرع الإيرانية... من لبنان إلى العراق: بناء شبكة النفوذ الإقليمي."

 

* كاتب وباحث سياسي من لبنان

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment