
بيروت – تحقيق كنسي من اعداد الاب البر حبيب عساف
في تاريخ لبنان، يسطع اسم البطريرك الياس الحويّك كواحد من أعظم الرجال الذين جمعوا بين الإيمان العميق والقيادة الحكيمة، وبين الروحانية المتّقدة والعمل الوطني الجريء. لم يكن مجرد بطريرك يرعى شعبه، بل كان رجل العناية الإلهية الذي عاش تحت نظر الله، وسعى طوال حياته إلى رضاه، فصار صوته صوت الفقراء، ويده يد الرحمة، وقلبه قلب الوطن.
من حلتا البترون إلى روما، ومن بكركي إلى عصبة الأمم، حمل الحويّك لبنان في قلبه، ودافع عنه في أحلك الظروف، وفتح أبواب الصرح البطريركي أمام الجائعين خلال الحرب، ووقف في وجه الظلم، ورفع راية الإيمان والحرية. وبحضوره، أعلن الجنرال غورو دولة لبنان الكبير سنة 1920، ليُكتب اسمه في سجلّ صانعي التاريخ.
روحانيته كانت مدرسة في الثقة بالله، وإنجازاته كانت شهادة على رجل عاش ليخدم الإنسان والكنيسة والوطن، فصار رمزًا للبركة والعناية والرضى الإلهي.
رجل العناية البطريرك الياس الحويك (١٨٤٣-١٩٣١)
حياة البطريرك الياس الحويّك في سطور
- ١٨٤٣ وُلِد في حلتا – البترون.
- ١٨٥١ دخل مدرسة مار يوحنّا مارون في كفرحي.
- ١٨٥٩ دخل إكليريكية غزير.
- ١٨٦٦ أرسله البطريرك بولس مسعد إلى روما للدَّرس.
- ١٨٧٠ قُبِل درجة الكهنوت في ٥ حزيران.
- ١٨٧٠ نال شهادة الملفنة في ٩ آب وعاد إلى لبنان.
- ١٨٧٢ عيّنه البطريرك مسعد كاتبًا لسرّه.
- ١٨٧٥ فكّر بتأسيس جمعية رهبانية نسائية رسولية.
- ١٨٨٩ رُقّي إلى درجة الأسقفية في ١٤ كانون، مطران عرقا شرفًا ونائبًا بطريركيًا.
- ١٨٩٢ أوفده البطريرك إلى الأستانة ليلتقي بالسلطان العثماني.
- ١٨٩٣ ناب عن البطريرك للاحتفال بيوبيل الحبر الأعظم.
- ١٨٩٣ التقى بالأم روزالي نصر في كفيفان، المؤسِّسة الأولى للجمعية النسائية الرسولية التي ينوي تأسيسها.
- ١٨٩٥ باشر بتأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات.
- ١٨٩٧ تولّى إدارة المعهد الماروني في روما بطلبٍ من البابا لاوون الثالث عشر.
- ١٨٩٩ انتُخب بطريركًا على الكرسي الأنطاكي في ٢٧ كانون الأول.
- ١٨٩٩ تلقّى نبأ مصرع المؤسِّسة الأم روزالي نصر.
- ١٩٠٨ احتفل برفع تمثال سيّدة لبنان – حريصا في ٣ أيار.
- ١٩١٣ كرّس كنيسة دير العائلة في عِبْرين.
- ١٩١٥ قابل جمال باشا في صوفر في ٢١ تموز.
- ١٩١٦ أمر بفتح أبواب بكركي والأديار أمام جياع الحرب.
- ١٩١٩ مثّل لبنان لدى عصبة الأمم طالبًا الاستقلال بعدما حظي بثقة اللبنانيين عمومًا.
- ١٩٢٠ بحضوره أعلن الجنرال غورو دولة لبنان الكبير.
- ١٩٣١ رقد بسلام في ٢٤ كانون الأول، ليلة عيد الميلاد.
روحانيته
- اتّصفت روحانية البطريرك القدّيس الياس الحويّك بنظرته الإيمانية لسيادة الله المطلقة على حياته، وبعلاقته البنوية معه:
- هو الآب مصدر الحياة، والحبّ والصلاح والبركة.
- هو العناية والعين الساهرة على أبنائه.
- هو عين الرضى التي تتطلّع إلى ما تنجزه أيديهم من خيرٍ وصلاح، فيتعرّف عليهم كأبناءٍ له، على صورة ابنه الوحيد يسوع المسيح.
- وما على الأبناء إلا أن يعيشوا بالشكر الدائم على بركات الله اللامتناهية، وتحت نظره بثقةٍ مطلقة بعنايته، مفتّشين دائمًا عن رضاه في حياتهم.
- تلك هي روحانية البطريرك الحويّك الذي ردّد دومًا: "إلهي، اجعلني أعيش وأموت برضاك"
- إذ بحياته الطويلة كلّها لم يفتّش إلا عن رضى الآب والابن والروح القدس، بروح الغيرة المتّقدة بالحبّ الإلهي.
- يمكنُ اختصار روحانيّة البطريرك الياس الحويِّك بهذه الآية من الرسالة إلى أهلِ روما: "كلُّ شيءٍ منه وبه وإليه، له المجدُ إلى الأبد" (روما ١١/ ٣٥).
منه، هو الآبُ البركة، به، هو الأمُّ العناية، إليه، هو الرّضى، له المجُد إلى الأبد.
من إنجازاته على الصعيد الوطني والاجتماعي والكنسي، حقّق ما يلي:
- أعاد فتح المدرسة المارونية في روما.
- حصل على كنيسة للموارنة في باريس من أبرشية الدولة الفرنسية مع منحة سنوية للدراسة.
- أسّس في مصر والبيت الماروني في القدس.
- أرسل نوّابًا له لاستقدام اللبنانيين في بلاد الاغتراب.
- أعاد بناء ٢٢ كنيسة في لبنان.
- بنى الصرح البطريركي الصيفي في الديمان.
- أدخل عادة الرياضة الروحية السنوية للمطارنة.
- رفع تمثال سيّدة لبنان على قمّة حريصا سنة ١٩٠٨.
- أسّس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات سنة ١٨٩٥.
- فتح أبواب الصرح البطريركي في بكركي، كما أمر بفتح أبواب الأديرة أمام جياع الحرب سنة ١٩١٦.
- مثّل لبنان لدى عصبة الأمم طالبًا الاستقلال بعدما حظي بثقة اللبنانيين عمومًا سنة ١٩١٩.
- أسّس المجلة البطريركية سنة ١٩٢٩.
من صلاة البطريرك الياس الحويك: إلهي إجعلني أعيش وأموت برضاك
- يا ربّي، أكرِم عليَّ بنعمة رِضاك الذي هو خيري وكنزي وفخري وحياتي ورجائي وسعادتي وغايتي وكلُّ شيءٍ لي. أرشدني ودبّرني ونوّر عقلي بنورِ حكمتِكَ اللّامُتناهيّة لأنَّ كلَّ اتكالي هو على رحمتِكَ وليس على سِواها وكلُّ ما أبتغي هو رِضاك ولا أبتغي سِواها آمين.
صلاة من أجل إظهار قداسته: أيّها الآب القدّوس، أنتَ اخترت أبانا البطريك الياس الحويّك راعيًا لشعبِكَ وجعلته على مثالِكَ أبًا عطوفًا، ومدبِّرًا حكيمًا.
- أنت زودتَه ببركتِكَ ورافقتَه بعنايتِكَ وأنرتَه بمواهبِ روحِكَ القدّوس ومنحته نعمةَ تأسيس جمعيّةٍ رهبانيّة تعمل "لمجدِ جودِكَ الإلهيّ الأعظم وخير النفوس" فعاشَ وماتَ برضاك.
- نسألُكَ باسم ابنِكَ يسوع وبشفاعةِ أمِّنا مريم والقدّيس يوسف أنْ تُظهرَ قداسَتَه في كنيستِنا وعالمِنا.
- ولكن سيرةُ حياتِه سراجًا يُنيرُ بيوتَنا وعيالنا وفضائلُهُ قدوةً لنا تَزيدُنا إيمانًا وتعمُّقًا في معرفةِ يسوع ومحبّتِه. لك المجدُ إلى الأبد. آمين.
كلمة لا بد منها
يبقى البطريرك الياس الحويّك علامة مضيئة في تاريخ لبنان، ورجلًا عاش رسالته بصدق ومحبة، وجعل من حياته صلاة دائمة وعملاً لا يعرف التعب. هو الراعي الذي لم يبحث إلا عن رضى الله، والقائد الذي لم يسعَ إلا لخير شعبه ووطنه.
سيرته ليست مجرد صفحات تُقرأ، بل نورٌ يرافق الأجيال، ودعوة إلى الإيمان والعمل والرجاء. وفي زمن يحتاج فيه لبنان إلى رجال حكمة وإيمان، يظلّ الحويّك مثالًا حيًا لرجلٍ عاش العناية الإلهية، وصنع وطنًا كبيرًا بقلبه وصلاته وجرأته.













07/21/2026 - 10:47 AM





Comments