هل الذكاء الاصطناعي ضمانة لسلامة المرضى؟
الدكتور أحمد الريس والباحث في إدارة الرعاية الصحية يؤكد أن نجاح الذكاء الاصطناعي يعتمد على جاهزية المؤسسات وثقافة السلامة والقيادة الواعية، لا على الخوارزميات وحدها.
بيروت -بيروت تايمز -حوار منى حسن
في ظل التوسع المتسارع لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المستشفيات والمؤسسات الصحية حول العالم، يبرز سؤال جوهري يشغل العاملين في القطاع الصحي: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يضمن سلامة المرضى؟
هذا السؤال كان محور مقابلة خاصة أجرتها "بيروت تايمز" مع الأستاذ الجامعي والباحث في إدارة الرعاية الصحية الدكتور أحمد الريس، الذي شدد على أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة لتطوير جودة الرعاية الصحية، لكنه لا يشكل بحد ذاته ضمانة لسلامة المرضى ما لم يُدمج ضمن منظومة إدارية متكاملة تعتمد على الحوكمة الرشيدة، والتدريب، والرقابة، وثقافة مؤسسية داعمة.
وقال الدكتور الريس إن هذا السؤال طُرح عليه خلال إحدى محاضراته الجامعية عندما سألته إحدى الطالبات: "هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل الرعاية الصحية أكثر أماناً؟"، موضحاً أن القاعة سادها صمت لثوانٍ، لأن الإجابة ليست بسيطة ولا يمكن اختصارها بـ"نعم" أو "لا".
وأضاف: "أجبتها بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد بشكل كبير في تعزيز سلامة المرضى، لكنه لا يستطيع ضمانها. هناك فرق كبير بين المساعدة في تحسين السلامة وبين تقديم ضمان مطلق لها."
وأشار إلى أن العديد من الدراسات العلمية الحديثة، ومنها دراسة منشورة في مجلة npj Digital Medicine، أظهرت قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على اكتشاف الأخطاء التشخيصية المحتملة والتنبؤ بتدهور حالة المرضى بسرعة قد تفوق الإنسان في بعض الحالات، إلا أن هذه القدرات التقنية لا تكفي وحدها لتحقيق نتائج أفضل إذا لم تُترجم إلى قرارات وإجراءات عملية داخل المؤسسة الصحية.
وأوضح أن التكنولوجيا تعمل ضمن منظومة بشرية وإدارية متكاملة، وقال: "إذا أطلق النظام تنبيهاً بوجود خطر يهدد حياة مريض، لكن لم يتعامل أحد مع هذا التنبيه، فهل أصبحت الرعاية أكثر أماناً؟ بالتأكيد لا."
وأكد أن نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي يعتمد بصورة أساسية على جاهزية المؤسسة الصحية، وآليات اتخاذ القرار، والتواصل بين الفرق الطبية، إضافة إلى وجود ثقافة تنظيمية تشجع على الاستجابة السريعة للمخاطر.
ولفت الدكتور الريس إلى أن كثيراً من النقاشات الحالية تركز على الإمكانات التقنية للذكاء الاصطناعي، بينما يتم إغفال العنصر الإداري، معتبراً أن الإدارة الصحية هي الحلقة الحاسمة في نجاح أو فشل هذه التقنيات.
وأضاف: "قادة المستقبل في القطاع الصحي ليسوا بالضرورة مطوري خوارزميات، بل هم المديرون القادرون على دمج التكنولوجيا في سير العمل، وإدارة المخاطر، وتدريب الكوادر، وبناء بيئة آمنة لاستخدام هذه الأدوات."
وفي ما يتعلق بتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي، أوضح أن المدير الصحي ليس مطالباً بأن يكون متخصصاً في البرمجة أو علوم الحاسوب، لكنه مطالب بأن يمتلك القدرة على تقييم جودة الأدلة العلمية التي استند إليها النظام قبل اعتماده داخل المؤسسة.
وأشار إلى أن أطر العمل العلمية الخاصة بتقييم تطبيقات الذكاء الاصطناعي تؤكد أهمية الشفافية في الدراسات، وضرورة معرفة حدود كل نظام قبل استخدامه في اتخاذ القرارات السريرية.
وختم الدكتور أحمد الريس حديثه لـ"بيروت تايمز" برسالة قال فيها:
"الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن القيادة الحكيمة أو الإدارة الرشيدة، بل هو أداة قوية لدعم القرار. قيمته الحقيقية تكمن في مساعدة الفرق الطبية على اتخاذ قرارات أكثر دقة وأماناً، وليس في استبدال الخبرة البشرية. وفي التعليم كما في الإدارة، تبقى القيمة الأكبر ليست في تقديم الإجابات الجاهزة، بل في تعليم الناس كيف يطرحون الأسئلة الصحيحة."
ويؤكد خبراء الإدارة الصحية أن السنوات المقبلة ستشهد توسعاً كبيراً في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التشخيص وإدارة البيانات ودعم القرارات الطبية، إلا أن نجاح هذه الثورة الرقمية سيظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات الصحية على بناء أنظمة حوكمة فعالة، وتعزيز ثقافة سلامة المرضى، وضمان بقاء الإنسان في قلب عملية اتخاذ القرار.













07/18/2026 - 07:05 AM





Comments