تقنين الدولار في المصارف اللبنانية: مؤشر جديد على أزمة السيولة

07/17/2026 - 18:03 PM

Your Ad Here

 

 

كتب: محمد جمال قنديل

عادت أزمة السيولة بالدولار الأميركي لتتصدّر المشهد الاقتصادي في لبنان، بعدما لجأت مصارف كبرى إلى تقنين عمليات السحب النقدي بالعملة الخضراء، بشكل يختلف عمّا كان معمولاً به في الأشهر الماضية. الخطوة، وإن بدت للوهلة الأولى إجراءً تقنياً داخلياً، إلا أنها تعكس في جوهرها ضغطاً متصاعداً على احتياطيات النقد الأجنبي في البلاد، وتعيد إلى الواجهة تساؤلات لم تغب يوماً عن الشارع اللبناني: إلى أين تتجه القدرة الشرائية للمودعين، وهل يقترب لبنان من محطة جديدة في أزمته المالية الممتدة منذ أكثر من ست سنوات؟

الأرقام الصادرة عن الجهات المصرفية المعنية تكشف حجم التحدي بوضوح. فقد سجّلت احتياطيات مصرف لبنان من العملات الأجنبية تراجعاً فعلياً بلغ نحو 516 مليون دولار خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط، أي ما يعادل 4.5 في المئة من إجمالي الموجودات، لتهبط القيمة الإجمالية لهذه الاحتياطيات إلى نحو 11.43 مليار دولار. هذا التراجع، وإن لم يكن كارثياً بالمعنى المطلق، إلا أنه يأتي في توقيت حسّاس تتقاطع فيه عوامل داخلية وخارجية متعددة، ما يجعل أي انزلاق إضافي في مستوى الاحتياطي مصدر قلق حقيقي لصنّاع القرار النقدي.

من أبرز العوامل التي تغذّي هذا الاستنزاف، ارتفاع مدفوعات القطاع العام في مطلع العام الحالي، إضافة إلى رفع سقوف السحب النقدي بموجب تعميمين سابقين حملا الرقمين 158 و166، وهو ما وفّر للمودعين هامشاً أوسع للحصول على أموالهم بالدولار، لكنه في المقابل شكّل ضغطاً مباشراً على المصارف ومصرف لبنان في آن معاً. وقد جاء هذا الضغط المتزايد على السيولة في وقت تشهد فيه البلاد تراجعاً ملموساً في الموسم السياحي، الذي كان يشكّل تقليدياً أحد أهم مصادر التدفقات النقدية بالعملة الصعبة، إذ إن استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والعسكري في الجنوب اللبناني أثّر سلباً على قرارات السياح والمغتربين بزيارة البلاد هذا الصيف. وإلى جانب ذلك، سجّلت تحويلات المغتربين تباطؤاً نسبياً، وهي التحويلات التي طالما شكّلت شريان حياة للاقتصاد اللبناني، وذلك نتيجة التوترات الإقليمية المتصاعدة وحالة الترقب التي يعيشها كثير من اللبنانيين في الخارج بشأن مستقبل بلدهم.

في مواجهة هذا الواقع، تتجه الأنظار نحو مجموعة من الإجراءات التي بدأت تتبلور داخل الأوساط المعنية بإدارة الملف النقدي. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات المطروحة تقنين التحويلات بالدولار الموجّهة نحو الاستيراد غير الأساسي، بهدف تخفيف الضغط على الطلب على العملة الصعبة والحفاظ على ما تبقّى من احتياطي. كما تدور نقاشات حول ضرورة خفض الإنفاق العام إلى أدنى مستوياته الممكنة، وحصره في المجالات المرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والنقدي، تجنّباً لأي تصعيد إضافي قد يربك المشهد الاقتصادي في مرحلة بالغة الحساسية. ولا يقل أهمية عن ذلك الحديث المتكرر عن ضرورة تعزيز التنسيق المباشر بين وزارة المالية ومصرف لبنان، بما يضمن توحيد إدارة السيولة اليومية ويحول دون أي تضارب في القرارات قد يؤدي إلى استنزاف إضافي للقدرات المالية المحدودة أصلاً.

غير أن ما يزيد المشهد تعقيداً هو أن هذه التطورات لا تأتي في فراغ، بل تُضاف إلى أزمة مالية ممتدة أفقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90 في المئة من قيمتها منذ اندلاعها، ودفعت جزءاً واسعاً من السكان نحو براثن الفقر، فيما بقيت أموال مئات آلاف المودعين شبه مجمّدة داخل المصارف منذ سنوات. وفي هذا السياق، لا يزال مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف، الذي يُعدّ شرطاً أساسياً لأي اتفاق تمويل مع صندوق النقد الدولي، محطّ جدل واسع، إذ يتوقف عليه إلى حد كبير تحديد آلية استرداد المودعين لأموالهم، وسط تحذيرات من مراقبين ماليين من أن الحكومة تحاول التوفيق بين مصالح متضاربة - كبار المودعين، والمصارف، والرأي العام، وصندوق النقد الدولي - في وقت تحكمه قيود صارمة تتعلق باستدامة الدين العام، ما يجعل مهمة إرضاء جميع الأطراف شبه مستحيلة عملياً.

على المستوى العملي واليومي، فإن تقنين السحب بالدولار يعني عودة المواطن اللبناني إلى مواجهة قيود إضافية للوصول إلى أمواله، في بلد لا يزال يعاني أصلاً من ازدواجية أسعار الصرف وتعدد أنظمة السحب بين ما هو "دولار طازج" وما هو خاضع لتعاميم مصرفية قديمة. وتزداد حساسية هذا الملف مع اقتراب فترة الصيف، وهي الفترة التي يشهد فيها الطلب على العملة الأجنبية ارتفاعاً موسمياً معتاداً، سواء بسبب حركة السفر أو النفقات المرتبطة بالمدارس والجامعات، ما يجعل أي تشديد إضافي في هذا التوقيت أكثر وقعاً على حياة الأسر اللبنانية.

ولا يمكن فصل هذا التطور المصرفي عن المسار السياسي العام الذي تشهده البلاد، إذ إن استمرار حالة الترقب المرتبطة بمآلات المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، وملف الانسحاب من الجنوب، ينعكس بدوره على الثقة الاقتصادية العامة، سواء لدى المستثمرين المحليين أو المغتربين الراغبين في تحويل أموالهم إلى الداخل. فكلما طال أمد عدم الاستقرار السياسي والأمني، كلما ازدادت حالة التريث لدى أصحاب رؤوس الأموال، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم التدفقات النقدية التي تحتاجها البلاد للحفاظ على حد أدنى من التوازن في سوق القطع.

كما تجدر الإشارة إلى أن هذا التشديد الجديد في السحوبات لا يقتصر أثره على المودعين الأفراد فحسب، بل يمتد ليشمل قطاع الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على السيولة بالدولار لتغطية نفقاتها التشغيلية اليومية، من استيراد المواد الأولية إلى سداد الرواتب. وهذا ما يضع الدورة الاقتصادية بأكملها أمام اختبار إضافي، في وقت لا تزال فيه قطاعات واسعة من الاقتصاد اللبناني تعمل خارج الإطار المصرفي الرسمي، لجوءاً إلى التعامل النقدي المباشر كوسيلة للتحايل على القيود المفروضة منذ سنوات.

في المحصلة، يبدو أن لبنان يقف مجدداً أمام اختبار جديد لقدرته على إدارة أزمته النقدية المزمنة، في ظل معطيات إقليمية متقلبة لا تخدم فرص التعافي الاقتصادي السريع. فبين تراجع الاحتياطيات، وتباطؤ التحويلات، وتعثّر الموسم السياحي، تبدو المصارف اللبنانية اليوم في موقع من يحاول كسب الوقت أكثر من كونها في موقع من يملك حلولاً جذرية، فيما تبقى الكلمة الفصل في يد التطورات السياسية والأمنية التي ستحدد إلى حد بعيد مسار الاقتصاد اللبناني خلال الأشهر المقبلة. ويبقى السؤال الأهم مطروحاً أمام المودعين والمواطنين على حد سواء: هل تكون هذه الإجراءات محطة عابرة ترافق موسم الصيف وحده، أم أنها تؤشر إلى مرحلة جديدة وأكثر تعقيداً من إدارة الشح في العملة الصعبة؟

 

باحث فى العلاقات الدوليه 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment