"مسيحيون من أجل لبنان"... عندما تغيب المرجعيات يفقد المؤتمر ثقله الوطني

07/17/2026 - 15:43 PM

A

 

 

لقاء حمل عنوانًا كبيرًا... لكنه لم يرقَ إلى مستوى التحديات

 

بقلم: فرنسوا الجردي

في مرحلة تُعدّ من أخطر المراحل التي يمر بها لبنان منذ تأسيسه، كان اللبنانيون، والمسيحيون خصوصًا، ينتظرون مؤتمرًا وطنيًا جامعًا يضم المرجعيات الروحية والسياسية والحزبية والفكرية، ليخرج برؤية موحدة وخارطة طريق تنقذ الوطن وتعيد الثقة بالدولة. إلا أن لقاء «مسيحيون من أجل لبنان»، رغم النوايا التي أعلنها منظموه، لم ينجح في التحول إلى مرجعية وطنية جامعة، وبقي أقرب إلى لقاء نخبة محدودة منه إلى مؤتمر يمثل الشارع المسيحي أو يعكس ثقله الحقيقي.

غياب المرجعيات أفقد اللقاء شرعيته التمثيلية

أول ما يلفت الانتباه هو الغياب شبه الكامل للشخصيات المسيحية المؤثرة. فلم يحضر البطريرك الماروني، ولا بطاركة الكلدان والسريان، ولا كبار مطارنة الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية، كما غابت القيادات السياسية الأساسية ورؤساء الأحزاب المسيحية الكبرى والكتل النيابية والوزراء والنواب الحاليون والسابقون الذين يشكلون اليوم القوة التمثيلية الفعلية للمسيحيين في الدولة. وهذا الغياب لا يمكن اعتباره تفصيلاً، لأن أي مؤتمر يطمح إلى رسم مستقبل المسيحيين في لبنان يحتاج إلى غطاء روحي وسياسي وشعبي واسع، وإلا بقي مجرد لقاء يحمل طابعًا رمزيًا لا أكثر.

لا يمكن صناعة مشروع وطني بمن حضر

القضايا المصيرية لا تُدار بمن حضر، بل بمن يمثل فعليًا الناس ومؤسساتهم. وعندما يغيب أصحاب القرار، يصبح من الصعب تحويل التوصيات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ أو إلى قوة ضغط على الدولة أو المجتمع الدولي. فالمؤتمرات الوطنية الناجحة لا تُقاس بعدد الكلمات ولا بساعات النقاش، بل بحجم القوى المشاركة فيها وقدرتها على صناعة القرار.

جدول أعمال واسع... لكنه افتقد الأولويات الوطنية

تناولت التوصيات ملفات متعددة، من الاقتصاد والاجتماع والتربية والثقافة والإعلام، وهي ملفات مهمة، لكنها لم تضع في صدارة أولوياتها القضية الوجودية التي تشغل المسيحيين واللبنانيين جميعًا. وكان المنتظر أن يناقش المؤتمر بصورة معمقة حماية الوجود المسيحي، وقف الهجرة، تثبيت أبناء القرى الحدودية، حماية الكيان اللبناني، معالجة تداعيات الحروب، وتعزيز المصالحة الوطنية.

الحوار مع الشريك الوطني ضرورة لا خيار

من أبرز ما افتقده اللقاء أنه لم يطرح مبادرة فعلية للحوار مع بقية المكونات اللبنانية. فالمرحلة الحالية تحتاج إلى خطاب يطمئن الجميع، ويؤكد أن حماية المسيحيين لا تكون بالمواجهة، بل بالشراكة الوطنية الحقيقية، وبناء الثقة بين اللبنانيين، وترسيخ السلم الأهلي، وتحصين الدولة ومؤسساتها.

كان يفترض دعم الدولة في معركتها الدبلوماسية

في ظل المفاوضات الدقيقة التي تخوضها الدولة اللبنانية، كان من المنتظر أن يصدر عن المؤتمر موقف واضح داعم لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، في جهودهما الرامية إلى تثبيت السيادة اللبنانية، واستعادة الأراضي المحتلة، وتأمين إطلاق الأسرى، وإعادة الإعمار، وتحصيل حقوق لبنان عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية.

الجيش والقضاء هما الضمانة

كان من الضروري أن يحتل دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية والقضاء مساحة أكبر وأكثر وضوحًا، لأن بناء الدولة القوية لا يتحقق إلا بمؤسسات شرعية قادرة على حماية الحدود وتطبيق القانون ومكافحة الفساد وإحقاق العدالة.

الشباب... القضية الغائبة

رغم الحديث عن الاقتصاد، لم يقدم اللقاء خطة واضحة تعطي الشباب أملاً بالبقاء في وطنهم. فالهجرة اليوم هي أخطر ما يهدد مستقبل لبنان، والمطلوب رؤية اقتصادية وإنمائية تخلق فرص عمل وتحفز الاستثمار وتحافظ على الطاقات البشرية.

المؤتمر بحاجة إلى إعادة إطلاق

لا يمكن التقليل من أهمية أي مبادرة وطنية، لكن نجاحها يتطلب توسيع المشاركة لتشمل جميع المرجعيات الروحية، وإشراك الأحزاب المسيحية الرئيسية، ودعوة الشخصيات الوطنية المؤثرة من مختلف الطوائف، ووضع جدول أعمال يركز على القضايا الوجودية والسيادية قبل الملفات الخدماتية، وإطلاق حوار وطني جامع.

الخلاصة

إن فكرة إنشاء إطار وطني يحمل اسم «مسيحيون من أجل لبنان» تستحق التشجيع من حيث المبدأ، لكنها لن تتحول إلى قوة تغيير حقيقية ما لم تنفتح على جميع المرجعيات الروحية والسياسية والوطنية، وما لم تعكس حقيقة التمثيل المسيحي في لبنان. لقد آن الأوان للانتقال من اللقاءات الرمزية إلى صناعة مشروع وطني حقيقي، لأن إنقاذ لبنان لا يتحقق بالبيانات، بل بإجماع القيادات، ووحدة القرار، والإيمان بالدولة وحدها مرجعًا وحاميًا للجميع.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment