بقلم: ناجي علي أمهز
يا ابنتي،
يقول الناس إن اليتيم هو من فقد أباه أو أمه، أما أنا فأقول: إن اليتيم حقاً هو من لم تمنحه السماء ابنةً يراها تكبر أمام عينيه، فتجدد في قلبه الإيمان بالحياة كلما أوشكت الأيام أن تسرق منه دهشتها.
https://ale3lami.com/2026/07/17/بحضور-المطران-عون،-ورئيس-بلدية-عمشيت-و
أنتِ وإخوتكِ لستم مجرد أبناء، بل أنتم النعمة التي كلما تأملتها ازددت يقيناً أن الله لا يوزع عطاياه بالمال ولا بالجاه، بل بالأرواح التي يهبها للإنسان ليحبها أكثر مما يحب نفسه. وما من فرح يوازي فرحة الأب والأم وهما يشاهدان ثمرة أعوامهما تكبر، وتخطو نحو مستقبلها بثقة وعلم وكرامة.
غير أنني يا ابنتي، تعلمت مع السنين أن الأبوة لا تسكن البيوت وحدها؛ فهناك آباء وأمهات آخرون، لا تجمعهم بكم رابطة الدم، بل تجمعهم قداسة الرسالة. إنهم أولئك الذين يقفون كل صباح أمام السبورة، يحملون الطباشير كما يحمل العبّاد الشموع في المعابد، فيضيئون العقول قبل أن يملأوا الدفاتر، ويزرعون في النفوس قيماً تبقى حيةً حتى حين تُنسى الدروس.
لهؤلاء المعلمين فضلٌ لا يقل عن فضل الوالدين، بل لعلهم شركاؤهم في صناعة الإنسان؛ فالوالدان يمنحان الحياة، أما المربون فيمنحونها معناها، ويأخذون بأيدي أبنائنا ليعبّدوا لهم طريق المعرفة، ويعلموهم أن النجاح ليس شهادة تُعلَّق على الجدران، بل أخلاقٌ تُحمل في القلب، وعطاءٌ يُقدَّم للناس، ورسالةٌ يعيشها الإنسان أينما كان.
ومن بين هذه الصروح التي آمنت برسالتها، وقفت "ثانوية عمشيت الرسمية" شامخة، لا كجدران من حجر، بل كبيتٍ من نور يفتح أبوابه لكل طالب يحمل حلماً. لم تكن مجرد كتبٍ وفصول، بل كانت روحاً وعقلاً يُضافان إلى أرواحكم وعقولكم، لتغرس في كل قلب بذرة انتماءٍ للوطن.
أما مديرها، الأستاذ أنطوان زخيا، فلم يكن مديراً لمؤسسة تعليمية صارمة فحسب، بل كان ربّان سفينة، ومربياً فاضلاً، وأستاذاً حكيماً حليماً، يدرك أن التربية ليست إدارةً للصفوف، بل رعايةٌ للأحلام. لقد جمع حوله أسرةً من المعلمين والمعلمات، آمنوا بأن بناء الإنسان أسمى من بناء الأبنية، وأن صناعة المواطن الصالح هي أعظم استثمار يقدمه معلم لوطنه. فلكم جميعاً، باسمي وباسم كل ولي أمر، كل الامتنان والمحبة؛ لأنكم لم تعلموا أبناءنا كيف ينجحون في الامتحانات فحسب، بل كيف ينجحون في الحياة.
فكانت هذه الدورة "روّاد السلام 2025–2026"، تجسيداً للسلام في العطاء ومسيرة الحياة.
وأنتِ يا مادلين...
أشكركِ لأنكِ اخترتِ طريق الاجتهاد، وسرتِ فيه بصبر وإرادة. رأيتكِ تمضين شهوراً طويلة في دروسكِ، تخرجين حاملةً كتبك، وتعودين وأنتِ تحملين تعبكِ وأملكِ معاً. لم يكن النجاح هديةً من أحد، بل كان ثمرة ساعاتٍ من المثابرة، وثمار الأشجار لا تنضج إلا بعد أن تقاوم الرياح والشمس وتبدلات الفصول.
ابنتي.. قد لا يعلم الآباء كم بقي لهم من العمر، لكنهم حين ينظرون إلى أبنائهم يشعرون بالاطمئنان؛ لأنهم يدركون أنهم مستمرون في هذه الحياة من بعدهم، فأنتم قطعٌ من كبدنا وقلوبنا النابضة.
وإن قصرتُ معكِ يوماً، فسامحيني؛ فالأهل مهما بلغت محبتهم، يبقون عاجزين عن ملاحقة أحلام أبنائهم كلها، ليس لنقصٍ في الحب، بل لأن الزمن يسبق خطاهم، بينما يركض الشباب نحو آفاق لا تحدها المسافات. ومع تقدم العمر، يكتشف الأبوان أن أعظم أدوارهما لم تعد إزالة الصخور من الطريق، بل أن يبقيا في آخر النهار باباً مفتوحاً، وقلباً ينتظر، وبيتاً إذا طرقه الأبناء وجدوا فيه محبةً لا تشترط، ودعاءً لا ينقطع، وطمأنينةً لا يمنحها العالم كله.
كنتُ يوماً في مثل عمركِ، أظن أن الدنيا تمنح بلا مقابل، ثم علّمتني الأيام أن الناس قد يطلبون منكِ علماً أو مالاً أو منفعة، أما الأب والأم، فهما الوحيدان اللذان لا يريدان منكِ إلا أن تكوني بخير. يفرحان لفرحكِ وكأنهما هما اللذان نجحا، ويحملان همومكِ بصمت، وكأن الله خلق قلبيهما ليكونا وطناً صغيراً يأوي إليه الأبناء كلما أرهقتهم الحياة.
مبارك لكِ هذا النجاح يا ابنتي.
لكن تذكري دائماً أن النجاح ليس محطةً يصل إليها الإنسان ثم يستريح، بل هو طريقٌ يبدأ كلما ظننا أننا وصلنا. إن الإصرار على متابعة المسير هو النجاح الأكبر؛ لأن العلم لا يُقاس بما نحفظه، بل بما نصنعه لأنفسنا ولوطننا وللإنسانية. كما إن ثانوية عمشيت الرسمية غرست فيكم هذه الحقيقة قبل أن تمنحكم الشهادات؛ غرست فيكم بذور الإنسان الحر، والمواطن الصالح، والعقل المنفتح، والقلب المحب.
فكونوا، كما أرادت لكم ثانويتكم، أشجاراً مثمرة، تمتد جذورها في أرض لبنان، وتعانق أغصانها سماء العالم. أعطوا وطنكم من علمكم، وأغنوا الإنسانية بفكركم، وليكن أثركم خيراً لكل من يمر في دروب حياتكم.











07/17/2026 - 14:41 PM





Comments