فرنسوا الجردي
ليست المشكلة في السياسة أن يختلف نائب مع نائب، ولا أن يحتدم النقاش تحت قبة البرلمان، فالمجالس النيابية وُجدت أصلاً لتكون ساحة مواجهة بين الأفكار والمواقف. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف السياسي إلى إساءة شخصية، ويستبدل النقاش بالحطّ من كرامة الآخرين، فتسقط هيبة المؤسسة التشريعية قبل أن يسقط احترام الخصوم.
ما صدر عن النائب جهاد الصمد بحق رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب الشيخ سامي الجميل، عندما خاطبه بعبارة: «أنت أوطى من الواطي يا واطي»، لا يمكن إدراجه في خانة السجال السياسي الطبيعي، بل هو مستوى من الخطاب لا يليق بنائب يمثل الشعب اللبناني، ولا بالمجلس النيابي الذي يفترض أن يكون منبراً للدستور والقانون والرقابة، لا منصة للشتائم والإهانات.
المفارقة أن الشيخ سامي الجميل، ورغم حدّة النقاش، لم يبادل الصمد الشتيمة بالشتيمة، ولم ينحدر إلى المستوى نفسه. وعندما قال إنه «لن ينزل إلى هذا المستوى»، كان يعبّر عن رفضه لأسلوب التخاطب، لا عن احتقار الأشخاص. غير أن الصمد اختار أن يرد بانفعال وغضب، مطلقاً عبارات مهينة لا تضيف شيئاً إلى النقاش، بل تكشف حجم التوتر الذي يحكم أداءه السياسي.
من يعرف جهاد الصمد يدرك أنه شخصية عنيدة، حادة المزاج، لا تعرف أنصاف الحلول. وهي صفات قد يراها البعض دليلاً على الثبات، لكنها تتحول إلى نقطة ضعف عندما تقود صاحبها إلى فقدان السيطرة على كلماته. فالنائب ليس مواطناً عادياً في جلسة خاصة، بل ممثل للأمة، وكل كلمة تصدر عنه تصبح جزءاً من صورة الدولة ومؤسساتها.
السياسة لا تُقاس بعلو الصوت، ولا تُحسم بالإهانات. التاريخ اللبناني مليء بالزعماء الذين اختلفوا في أشد الظروف، لكن كثيرين منهم حافظوا على الحد الأدنى من الاحترام المتبادل. أما تحويل البرلمان إلى ساحة للسباب، فهو إهانة لكل اللبنانيين الذين ينتظرون من نوابهم حلولاً لأزماتهم، لا استعراضات غضب.
الأخطر في ما جرى أن الخطاب الشعبوي القائم على الشتائم قد يجد من يصفق له، لكنه لا يبني وطناً، ولا يرسخ ديمقراطية، ولا يعزز ثقة الناس بالمؤسسات. فحين تصبح الشتيمة وسيلة للإقناع، يكون العجز عن الحجة قد بلغ مداه.
قد يختلف اللبنانيون مع سامي الجميل أو يؤيدونه، كما قد يختلفون مع جهاد الصمد أو يساندونه، لكن لا يجوز أن يختلفوا على مبدأ واحد: أن الاحترام واجب تحت قبة البرلمان، وأن الكرامة الشخصية ليست مادة للمزايدات السياسية.
لقد خسر جهاد الصمد، في تلك اللحظة، فرصة أن ينتصر بالحجة، فاختار الانتصار بالصوت. لكن الصراخ لا يصنع حقاً، والإهانة لا تصنع زعامة، والكلمة الجارحة تبقى شاهداً على صاحبها أكثر مما تصيب من وُجهت إليه.
إن اللبنانيين، في زمن الانهيار، يحتاجون إلى نواب يرتفعون بخطابهم إلى مستوى مسؤولياتهم، لا إلى نواب يهبطون بالنقاش إلى درك الشتيمة. فاحترام الخصم ليس ضعفاً، بل هو أول شروط احترام الذات، وأول شروط الحفاظ على هيبة البرلمان والدولة.










07/16/2026 - 20:01 PM





Comments