الدوحة... عندما انكسر الدستور أمام منطق القوة

07/16/2026 - 13:48 PM

Arab American Target

 

 

د. علي جزائري *

في الدول الطبيعية، يُحتكم إلى الدستور عندما تختلف القوى السياسية. أما في الدول المأزومة، فيُعاد تفسير الدستور تحت ضغط موازين القوة. وهذا، في نظر كثير من اللبنانيين، هو ما مثّله اتفاق الدوحة عام 2008.

لم يكن مؤتمر الدوحة مجرد محطة لإنهاء أزمة سياسية، بل كان اعترافاً عملياً بأن المؤسسات الدستورية اللبنانية لم تعد قادرة وحدها على إنتاج الحلول، وأن التسويات الخارجية، المدعومة بالوقائع الميدانية، أصبحت الطريق الإلزامي لإعادة تكوين السلطة.

قبل الدوحة، كان الدستور اللبناني، المنبثق عن وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، يرسم آليات واضحة لإدارة الدولة. فالمادة 49 تحدد آلية انتخاب رئيس الجمهورية، والمادة 53 تحدد صلاحيات رئيس الجمهورية في تكليف رئيس الحكومة، والمادة 64 تحدد دور رئيس مجلس الوزراء، فيما تنظم المادة 65 آلية اتخاذ القرارات داخل مجلس الوزراء، باعتباره السلطة التنفيذية التي تمارس صلاحياتها بصورة جماعية.

ولا نجد في أي مادة من الدستور نصاً يجيز تعديل موازين السلطة تحت ضغط السلاح أو نتيجة أحداث أمنية. كما لا يمنح الدستور أي جهة، داخلية أو خارجية، صلاحية إعادة هندسة النظام السياسي خارج الآليات الدستورية.

لكن أحداث السابع من أيار 2008 غيّرت المشهد. فقد شهد لبنان استخداماً للسلاح في الداخل، وانتهت المواجهات بتبدل موازين القوى على الأرض. وبعد أيام، انتقلت القيادات اللبنانية إلى الدوحة، حيث وُلد اتفاق أنهى الأزمة وانتُخب بموجبه قائد الجيش آنذاك رئيساً للجمهورية، كما تشكلت حكومة وفق صيغة توافقية جديدة.

من الناحية الدستورية، يرى منتقدو الاتفاق أن المشكلة لم تكن في انتخاب رئيس الجمهورية، لأن الانتخاب تم في مجلس النواب وفق الأصول، بل في الظروف السياسية التي سبقته، وفي كون التسوية نفسها جاءت نتيجة ضغوط استثنائية لا نتيجة المسار الدستوري الطبيعي.

لقد أرسى اتفاق الدوحة، وفق هذا الرأي، سابقة خطيرة: أن الأزمات الكبرى لا تُحل داخل المؤسسات، بل خارجها، وأن موازين القوة يمكن أن تصبح عاملاً حاسماً في إنتاج التسويات. ومنذ ذلك التاريخ، تكررت في لبنان ظاهرة تعطيل الانتخابات الرئاسية، وتأخير تشكيل الحكومات، واللجوء إلى التوافقات السياسية خارج النصوص الدستورية، حتى أصبح الاستثناء أقرب إلى القاعدة.

قد يجادل آخرون بأن الدوحة أنقذت لبنان من حرب أهلية وشيكة، وأن التسوية كانت ضرورة فرضتها ظروف أمنية استثنائية، وأن الدستور لا يمكن أن يعمل في فراغ أو في ظل مواجهات مسلحة. وهذا رأي له حضوره في النقاش اللبناني.

لكن تبقى المعضلة الأساسية: هل يجوز تعليق أحكام الدستور بحجة إنقاذ الدولة، أم أن إنقاذ الدولة يبدأ بحماية الدستور نفسه؟

التجارب الدستورية في العالم تؤكد أن الشرعية لا تُقاس فقط بالنتائج، بل أيضاً بالوسائل. فالتسوية التي توقف القتال قد تكون ناجحة سياسياً، لكنها تثير أسئلة دستورية إذا كرّست فكرة أن امتلاك القوة يمنح قدرة أكبر على التفاوض أو فرض الشروط.

ربما لم يكن أخطر ما أنتجه مؤتمر الدوحة بنوده المكتوبة، بل الرسالة غير المكتوبة التي تركها في الحياة السياسية اللبنانية: أن النصوص يمكن أن تنتظر، أما موازين القوة فلا تنتظر أحداً. ومنذ ذلك الحين، لم يعد السؤال في لبنان: ماذا يقول الدستور؟ بل أصبح في كثير من الأحيان: ماذا تسمح به موازين القوى؟

وعندما يصبح هذا السؤال هو المرجع الفعلي للحكم، تكون الدولة قد دخلت مرحلة يصبح فيها الدستور وثيقة تُستحضر عند الحاجة، لا المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع. وهنا يكمن الخطر الحقيقي على الجمهورية، لأن الدساتير لا تسقط عندما تُعدّل فحسب، بل عندما يفقد المواطن ثقته بأنها المرجع الأخير للفصل في النزاعات السياسية.

 

* إعلامي وباحث لبناني يشكّل حضورًا لافتًا في المنصّات العربية المعنية بالشأنين السياسي والاجتماعي، ويقدّم قراءات معمّقة وتحليلات تستند إلى متابعة دقيقة للملفات اللبنانية والإقليمية. استطاع خلال الفترة الأخيرة أن يرسّخ موقعه كصوت نقدي وموضوعي في النقاشات العامة، ما جعله أحد الأسماء البارزة في المشهد الإعلامي الباحث عن خطاب مهني ورصين.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment