الشرق الأوسط... بين إدارة الصراع وصناعة المستقبل

07/16/2026 - 12:00 PM

Atlantic home care

 

 

 رشيد ج. مينا

أمام احتدام الصراعات الإقليمية والدولية، وتشابك المصالح والأهداف التي تسعى الأطراف المنخرطة فيها إلى تحقيقها، يفرض الواقع أسئلة كبرى يصعب تجاهلها. هل نحن أمام إعادة رسم لخرائط المنطقة وحدود دولها؟ أم أننا أمام ولادة توازنات جديدة تقوم على المصالح الاقتصادية والتحكم بالممرات البحرية وطرق التجارة والطاقة؟ أم أن ما نشهده ليس سوى مرحلة من صراع طويل لم تتضح نهاياته بعد؟

فالحرب الروسية – الأوكرانية لم تعد شأناً أوروبياً فحسب، بل تركت آثاراً عميقة على الأمن الأوروبي والاقتصاد العالمي، وأعادت إحياء مفاهيم الردع والتحالفات والتنافس على مصادر الطاقة. وفي المقابل، تتسع دائرة الصراع في الشرق الأوسط، من الحرب الإسرائيلية على غزة، إلى المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وشبكة حلفائها في لبنان واليمن والعراق من جهة أخرى، في ظل تنافس متزايد على الممرات البحرية وطرق التجارة العالمية، وما يرافق ذلك من تأثيرات مباشرة على الصين ومشروعها الاقتصادي، وعلى حركة الاقتصاد الدولي بأسره.

وفي خضم هذا المشهد، تبرز أسئلة لا تقل أهمية. إلى أين تتجه سوريا بعد سنوات الحرب الطويلة؟ وهل يقف لبنان فعلًا أمام فرصة تاريخية تخرجه من النفق الذي دخله منذ عقود؟ وهل يمكن التسليم بأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي العربية، وتوسع عملياته العسكرية، يخلو من أهداف تتجاوز الاعتبارات الأمنية المعلنة، في ظل ما تطرحه وقائع الميدان من تساؤلات حول مستقبل المنطقة برمتها؟

أسئلة كثيرة، لكن اللافت أن أحدًا لا يبدو قادرًا على تقديم إجابات حاسمة. فلا القوى الدولية، ولا القوى الإقليمية، ولا حتى الأطراف المحلية، تملك تصورًا واضحًا للمآلات النهائية لهذا الصراع، أو لشكل النظام الإقليمي الذي قد ينشأ بعده. فالمشهد يوحي بأن الجميع يعيد تموضعه وفق تطور الوقائع والمصالح، أكثر مما يتحرك وفق رؤية مكتملة لما سيكون عليه المستقبل.

ومن هنا، يبدو من المبكر الحديث عن شرق أوسط جديد، أو عن حلول نهائية للنزاعات القائمة. فالمؤشرات، حتى الآن، لا تدل على مسار يقود إلى حلول جذرية ومستدامة، بقدر ما تشير إلى إدارة للصراعات وإعادة تشكيل لتوازنات النفوذ بما يحفظ مصالح القوى المنخرطة فيها. ولعل تجارب العقود الماضية، ولا سيما في منطقتنا العربية، تؤكد أن إدارة الأزمات لم تتحول إلى حلول مستدامة، بل كانت، في كثير من الأحيان، مدخلًا إلى أزمات جديدة، أو وسيلة لإطالة أمد الصراع وإعادة إنتاجه بصيغ وأدوات مختلفة، بما يخدم مصالح القوى المتنافسة أكثر مما يعالج الأسباب الحقيقية التي أوجدته.

ومن غزة وفلسطين، إلى لبنان وسوريا، واليمن والعراق، وصولًا إلى السودان وليبيا، يبدو أن المنطقة تعيش مرحلة إدارة للواقع أكثر مما تعيش مرحلة صناعة للحلول. أما العالم العربي، فما زال، في معظمه، يقف خارج دائرة التأثير الحقيقي، يراقب تحولات سترسم مستقبل المنطقة، دون أن يمتلك مشروعًا عربيًا جامعًا يمنحه القدرة على المشاركة الفاعلة في صياغة هذا المستقبل.

ولعل السؤال الحقيقي لم يعد: من سيربح هذه الحرب؟ ولا من سيخسرها؟ بل أي شرق أوسط سيولد من رحمها؟ وأي موقع سيكون للعرب فيه؟ هل سيكونون شركاء في صناعة مستقبلهم، أم مجرد ساحة تتقاطع فوقها المصالح، وتُدار عليها الصراعات، وتُرسم فوق أرضها خرائط النفوذ الجديدة؟

لكن السؤال الأعمق من كل ذلك يبقى: هل سيكون ما قد يأتي في جوهره أكثر احترامًا للإنسان، وحقوقه، وحريته، وكرامته، وقدرته على الإبداع والعطاء؟ أم أننا أمام نظام إقليمي ودولي جديد يعيد إنتاج الإنسان بوصفه رقمًا في معادلات المصالح، أو سلعة في الأسواق، أو أداة في مشاريع النفوذ والصراعات؟

إن قيمة أي نظام سياسي أو إقليمي أو دولي لا تُقاس بحجم القوة التي يمتلكها، ولا بمساحة النفوذ التي يحققها، بل بقدر ما يصون إنسانية الإنسان، ويحفظ كرامته، ويكفل حريته، ويهيئ له بيئة تُمكّنه من أن يعيش مواطنًا كامل الحقوق والواجبات، لا تابعًا ولا ضحية، ولا مجرد رقم في حسابات الآخرين.

فالتاريخ لا يخلّد الإمبراطوريات لأنها انتصرت، ولا يخلّد القوى لأنها امتلكت السلاح، بل يخلّد الحضارات لأنها احترمت الإنسان. ويبقى الرهان الحقيقي، بعد أن تهدأ الحروب وتتغير الموازين، ليس على من سيرث النفوذ، بل على ما إذا كان الإنسان سيكون أخيرًا غاية السياسات، لا وسيلتها.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment