كارين القسيس *
على مدى عقود، ترسّخت لدى المسيحيين في لبنان قناعة راسخة مفادها بأنّ وجودهم التاريخي وهوّيتهم الجماعيّة يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بتجذّرهم في أرضهم، وأنّ الحفاظ على هذه الأرض يشكّل الركيزة الأساسيّة لاستمرار حضورهم الوطني والتاريخي. وانطلاقًا من هذه القناعة، اعتُبر أي مساس بأي جزء من الأراضي اعتداءً مباشرًا على الكرامة والوجود معًا. غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ القوى السياسية المسيحية، بدلًا من أن تؤدي دور الحاضنة والمدافعة عن بيئتها في مواجهة هذه التحديات، عمدت إلى استثمار هذا الارتباط العميق بالأرض وتحويله إلى ورقة سياسيّة تُستخدم لتحقيق مكاسب انتخابية، من دون مقاربة جديّة للمخاطر الوجودية التي قد تطال أبناء تلك المناطق وتهدد مستقبلهم.
وفي ظل انشغال الشارع المسيحي ببازارات سياسيّة ضيقة وحسابات انتخابيّة آنيّة، عاد الى الواجهة ملف بالغ الخطورة تمثّل في قضيّة مشاعات جبل لبنان، وهي قضية لا تقل أهمية عن انفجار مرفأ بيروت، إنّما يعتبرها البعض أكثر خطورة حتى من ملف التجنيس الذي صدر عقب اتفاق الطائف، نظرًا إلى التداعيات التي قد تتركها على التوازن الديموغرافي والوجود المسيحي في لبنان.
ومع تصاعد الجدل حول مسألة انتزاع أملاك وأراض في جبل لبنان وتسجيلها باسم الجمهورية اللبنانية، وهي خطوة أثارت مخاوف لدى عدد من المتابعين الذين رأوا فيها مسارًا قد يفضي إلى تهجير الأهالي عبر إجراءات قانونية وإدارية ملتبسة، تابع "كافيين دوت برس" هذا الملف من مختلف جوانبه وأبعاده، لان قضية مشاعات جبل لبنان لا يمكن اختزالها في إطار نزاع عقاري تقليدي، إنّما تجاوزت ذلك لتلامس قضية ذات طابع وجودي ترتبط بجوهر الحضور المسيحي في لبنان، لما تحمله من تداعيات قانونية وحقوقية وسياسية وأخلاقية ووجدانية متشابكة. وانطلاقًا من ذلك، تصبح الكنيسة والأحزاب المسيحية معنية في صورة مباشرة بمتابعة هذا الملف والعمل على إيجاد حل يحفظ حقوق الأهالي ويصون ملكياتهم.
وتشير المعطيات التي حصل عليها موقعنا إلى أنّ ما بين 30 و35 في المئة من الأراضي اللبنانية لا يزال غير ممسوح، نتيجة تقاعس الدولة والحكومات المتعاقبة عن استكمال أعمال المسح العقاري، رغم المطالبات المتكررة من الأهالي بضرورة إنجازها. وتنقسم هذه الأراضي غير الممسوحة إلى قسمين رئيسيين: الأول يضم الأملاك الفردية الخاصة العائدة لأشخاص طبيعيين، أما الثاني فيتعلق بالمشاعات، التي تنقسم بدورها إلى فئتين.
الفئة الأولى هي المشاعات الواقعة خارج نطاق جبل لبنان، والتي تُعدّ ملكًا للدولة اللبنانية، بعدما كانت في عهد السلطنة العثمانية، ثم خلال فترة الانتداب الفرنسي، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى الجمهورية اللبنانية، وهو أمر لا يثير أي إشكالية قانونية أو خلاف حول الملكية.
أمّا الفئة الثانية، وهي محور القضية، فتتمثل في مشاعات جبل لبنان الممتدة من جزين حتى بشرّي. ويؤكد الأهالي أنّ هذه الأراضي ليست ملكًا للدولة، بل تعود ملكيتها إلى سكان القرى والبلدات أنفسهم، بعدما اشتروها بأموالهم الخاصة منذ أيام السلطنة العثمانية، ما يمنحهم، بحسب هذا الطرح، حقّ التصرف بها باعتبارها ملكية خاصة. وبناءً عليه، لا يحق للجمهورية اللبنانية وضع يدها على هذه المشاعات أو استثمارها أو بيعها أو التصرف بها إلاّ بعد الحصول على موافقة جميع أصحاب الحقوق فيها، سواء المقيمين منهم أو المنتشرين في بلدان الاغتراب.
ليلة رأس السنة فجّرت أزمة المشاعات
تعود بداية الأزمة إلى ليلة الحادي والثلاثين من كانون الأول عام 2015، حين أصدر وزير المالية في ذلك الوقت علي حسن خليل، وفي ظل الفراغ الرئاسي الذي كان يشهده لبنان، مذكرة إدارية في ليلة رأس السنة، وهي فترة يكون فيها الرأي العام منشغلًا بالاحتفالات، ما حال دون تسليط الضوء على مضمون القرار في ساعاته الأولى. وما إن تبيّن للأهالي مضمون المذكرة حتى بادروا إلى الاعتراض عليها، معتبرين أنّها تخالف الأصول القانونية، إذ إنّ نقل ملكية هذه المشاعات يحتاج إلى قانون يصدر عن مجلس النواب، يعقبه قرار صادر عن مجلس الوزراء مجتمعًا، ولا يمكن لوزير المالية، منفردًا، اتخاذ قرار من هذا النوع.
وتشير الوقائع إلى أنّ هذه المذكرة تسمح بنقل ملكية مشاعات جبل لبنان إلى الجمهورية اللبنانية، وهو ما أثار موجة واسعة من الاعتراضات واللقاءات، من بينها زيارات إلى عين التينة للقاء رئيس مجلس النواب نبيه برّي. وعلى إثر هذه الاعتراضات، أصدر وزير المالية تطمينات شفهية أكد فيها أنّ مشاعات جبل لبنان غير مشمولة بالمذكرة، إلا أنّ المستجدات اللاحقة، بحسب متابعة "كافيين دوت برس"، أظهرت أنّ تلك التطمينات لم تكن مطابقة للواقع، وأنّ هناك توجّهًا فعليًا لوضع اليد على هذه الأراضي.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى القرار رقم 1/1216، الصادر أيضًا ليلة رأس السنة عام 2015، والذي يناقض، وفق قراءتهم، التطمينات التي قُدمت آنذاك، إذ يؤكدون أنّ مشاعات جبل لبنان مشمولة بالمذكرة، وأنّ ملكيتها ستُنقل إلى الجمهورية اللبنانية.
المفارقة هنا. فبعدما بقي طيّ الأدراج لسنوات، خرج ملف المشاعات مجددًا إلى الواجهة في شباط 2026، إثر مذكرة أصدرها وزير المالية ياسين جابر أعادت إحياء القرار السابق وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الجدل حول هذا الملف. ومن هنا رأى متابعون أنّ توقيت هذه الخطوة لا يمكن فصله عن التداعيات التي فرضتها التطورات الأخيرة، ولا سيما تهجير أعداد كبيرة من أهالي الجنوب، معتبرين أن نقل ملكية مشاعات جبل لبنان إلى الدولة اللبنانية قد يتيح، من الناحية القانونية، تخصيص هذه الأراضي لإقامة النازحين عليها، باعتبارها أصبحت من ضمن الأملاك العامة.
وانطلاقًا من هذا الطرح، يؤكد أصحاب هذا الرأي أنّ القضية لم تعد محصورة في إطار مذكرة إدارية أو إجراء عقاري، بل تجاوزت ذلك لتصبح، بحسب توصيفهم، جزءًا من مسار سياسي أوسع، يرتبط باستراتيجية مضمرة تنتهجها جهة سياسية محددّة، وبالتالي التباين بين الخطاب المعلن حول الحفاظ على العيش المشترك والممارسات العملية على أرض الواقع يُثير هواجس تتصل بالتوازن الديموغرافي وبمستقبل الحضور المسيحي.
ولا يقتصر هذا الملف على المشاعات وحدها، إذ تبين ان سلسلة من الاعتداءات على ممتلكات خاصة تعود لأهالي هذه المناطق، إضافة إلى تعديات طالت أوقافًا كنسية، سواء عبر البناء غير الشرعي أو الإشغال غير القانوني، إلاّ أنّ الأخطر، بحسب ما توصلت اليه معلومات متابعين للملف، يتمثل في إنشاء مدافن غير شرعية، ولا سيما في جرود جبيل، وبأعداد لا يُستهان بها.
وتكمن خطورة هذه القضية في أنّ إزالة الأبنية أو المزروعات المخالفة تبقى ممكنة، متى صدرت أحكام قضائية تثبت حقوق أصحاب الأراضي، إلا أنّ وجود المدافن يفرض معادلة مختلفة تمامًا، إذ تبرز حرمة الموت وما تفرضه من اعتبارات دينية وإنسانية واجتماعية، الأمر الذي يجعل استعادة الأراضي أكثر تعقيدًا، وقد يحولها عمليًا إلى مهمة شبه مستحيلة، بما يمنح هذه التعديات بعدًا بالغ الحساسية والخطورة.
وعلى خطّ المتابعة السياسية المتدرّجة لهذا الملف، دخلت "القوات اللبنانية" على خطّ المعالجة خلال شهر شباط الماضي، عبر إجراء اتصالات مع وزير المالية ياسين جابر، الذي نقل بدوره تطمينات شفهيّة بعدم التعرّض لهذه العقارات أو المساس بها. إلاّ أنّ معراب، لم تستكمل متابعة القضية بعد قرار تأجيل الانتخابات النيابية، انطلاقًا من اعتبار أنّ فتح ملف بهذا الحجم، والذي يحمل أبعادًا وجودية، لم يعد يشكّل أولوية سياسية في تلك المرحلة.
في المقابل، لم تبادر بقية القوى والأحزاب المسيحيّة، بحسب مصادر معنية بالملف، إلى اتخاذ خطوات سياسية أو قانونية جدية للضغط باتجاه حماية هذه الأراضي ومعالجة التعديات القائمة عليها، وسط حديث داخل أروقة حزب مسيحي عريق بأنّ الحسابات الانتخابية والمصالح السياسية الضيقة طغت على مقاربة قضية تُعدّ من الملفات الحساسة المرتبطة بالوجود والدور المسيحي في لبنان.
ولا تقتصر دائرة المسؤوليّة على القوى السياسيّة، إذ تطرح الكنيسة بدورها أمام مسؤوليات كبيرة في هذا السياق. ويؤكد مصدر كنسي لـ"كافيين دوت برس" أنّ المسؤولية الملقاة على عاتقها مضاعفة، ولا سيما تجاه أراضي الأوقاف الواقعة في مناطق من الضاحية الجنوبية، كالمريجة والليلكي وحارة حريك، حيث سُجّلت تعديات وأعمال بناء مخالفة للقوانين على عدد من هذه العقارات، ليصل إلى حدّ توجيه اتهامات صريحة إلى بعض رجال الدين والكهنة والمطارنة، معتبرًا أنّ بعضهم تورّط وسهّل ممّا يقضي فتح مسار محاسبة جدي وشفاف يطال كل من ثبتت مساهمته في الإضرار بهذه الأملاك أو في تكريس أمر واقع يصعب تصحيحه لاحقًا.
وفي حين يشير المصدر إلى أنّ بعض المتولين للشأن الديني تعاملوا مع هذا الملف بمنطق المصالح الخاصة واعتبارات "البزنس"، فإنه يلفت في المقابل إلى وجود أصوات كنسية أخرى اختارت المواجهة ورفع مستوى التحذير من خطورة ما يجري. وفي مقدمة هذه الأصوات يأتي الأب داني درغم، الذي واصل التنبيه إلى المخاطر التي تهدد هذه الممتلكات، ويستعد لعقد لقاء اليوم مع عدد من الفعاليات المسيحية لبحث آليات حماية هذه الأراضي، انطلاقًا من قناعة راسخة بأنّ أي تفريط بها يهدد مقومات الوجود المسيحي المتجذر في أرضه.
وبحسب هذا المنطق، فإنّ استمرار غياب المعالجة الجديّة من قبل القوى السياسية والمرجعيات الدينية قد يجعلها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شريكة في تفاقم أزمة تهدد استقرار مجتمعها ودورها التاريخي، بدل أن تكون جهة فاعلة في حماية حقوقها ومصالحها.
ورغم أنّ هذا التحقيق ركّز في مرحلته الراهنة على ملف المشاعات في جبل لبنان، ولا سيما تلك الواقعة ضمن بلدات ذات غالبيّة مسيحيّة، فإنّ "كافيين دوت برس" سينشر في الأيام المقبلة تفاصيل ومعطيات إضافية تتعلق بمشاعات تعود إلى طائفة أخرى، وتقع ضمن مناطق ذات تركيبة ديموغرافية مختلفة، وذلك في إطار استكمال تقصّي خفايا هذا الملف وتشعّباته، وكشف طبيعة المقاربات المعتمدة لدى الجهات الرسمية، وما إذا كانت هناك توجهات أو إجراءات تُتخذ بعيدًا عن أعين أصحاب الحقوق بهدف فرض أمر واقع.
* كارين القسيس هي صحافية لبنانية معاصرة تكتب في عدد من الصحف والمواقع اللبنانية










07/13/2026 - 01:04 AM





Comments