بقلم: فرنسوا الجردي
منذ دخوله الحياة السياسية بعد اغتيال والده كمال جنبلاط عام 1977، شكّل وليد جنبلاط إحدى أكثر الشخصيات اللبنانية إثارةً للجدل. فقد نجح في البقاء لاعبًا أساسيًا في مختلف المراحل، لكنه فعل ذلك عبر تبديل التموضعات السياسية بصورة متكررة، ما دفع خصومه إلى اعتباره رجل التحولات الدائمة أكثر منه رجل المبادئ الثابتة.
لقد ارتبط اسم جنبلاط بمحطات مفصلية في تاريخ لبنان، وكانت القاسم المشترك بينها أنه كان ينحاز في اللحظات الحاسمة إلى موازين القوى الغالبة، حتى ولو جاء ذلك على حساب مشروع الدولة ومؤسساتها. فبدل أن يكون جزءًا من تثبيت سلطة الدولة، بدا في كثير من الأحيان شريكًا في تكريس منطق التسويات التي أضعفتها وأبقت القرار اللبناني رهينة موازين القوى الداخلية والخارجية.
من الحرب إلى الوصاية السورية
بعد انتهاء الحرب الأهلية، أقام جنبلاط علاقة وثيقة مع النظام السوري، وأصبح أحد أبرز أركان المنظومة السياسية التي قامت تحت الوصاية السورية. وخلال تلك المرحلة، لم يكن من الداعمين لإعادة بناء دولة مستقلة القرار، بل كان جزءًا من السلطة التي خضعت للتوازنات التي فرضتها دمشق على الحياة السياسية اللبنانية.
ويعتبر منتقدوه أن أحداث 6 شباط 1984 شكّلت محطة مفصلية في انهيار مؤسسات الدولة، وأن الدور الذي لعبته القوى المتحالفة مع سوريا، ومن بينها الحزب التقدمي الاشتراكي، ساهم في إسقاط مشروع الدولة آنذاك وتعزيز الهيمنة السورية التي استمرت سنوات طويلة.
من 14 آذار إلى الانقلاب عليها
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، كان وليد جنبلاط من أبرز قادة انتفاضة الاستقلال، ورفع شعارات السيادة وخروج الجيش السوري، وهاجم النظام السوري بعنف غير مسبوق.
لكن هذا التموضع لم يستمر طويلًا. فبعد أحداث 7 أيار 2008، بدأ تدريجيًا بالابتعاد عن قوى 14 آذار، ثم أعلن خروجه منها، مبررًا ذلك بضرورات الواقعية السياسية.
غير أن كثيرين رأوا في هذا التحول مساهمة مباشرة في تفكيك الجبهة السيادية التي نشأت بعد عام 2005، وهو ما أدى إلى إضعاف مشروع الدولة وتعزيز نفوذ حزب الله داخل المؤسسات الدستورية.
سياسة التوازن أم تكريس الضعف؟
يدافع أنصار جنبلاط عن خياراته باعتبارها سياسة واقعية هدفها حماية الجبل ومنع الفتنة، لكن منتقديه يرون أن هذه الواقعية تحولت إلى نهج دائم يقوم على مسايرة القوى المسلحة أو الأكثر نفوذًا، بدل مواجهتها سياسيًا ضمن إطار الدولة.
ففي كل محطة مصيرية تقريبًا، يظهر جنبلاط لاعبًا يسعى إلى إعادة إنتاج التسويات، حتى وإن كانت هذه التسويات تؤدي إلى تعطيل قيام دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم.
ومن هنا، يرى خصومه أن اعتراضه اليوم على أي اتفاق أو مسار سياسي يمكن أن يعزز سلطة الدولة ينسجم مع تاريخ طويل من معارضة المشاريع التي تنقل القرار من القوى الأمر الواقع إلى المؤسسات الشرعية.
بين الاعتراف بالفساد وغياب المحاسبة
في أكثر من مناسبة، أطلق وليد جنبلاط مواقف تتضمن اعترافًا بانتشار الفساد داخل الطبقة السياسية، بل قال يومًا إنه جزء من هذا الواقع، في تصريح أثار نقاشًا واسعًا.
كما أُثيرت في الإعلام والسياسة ملفات واتهامات مرتبطة بتحويل أموال إلى الخارج خلال الأزمة المالية، ومنها تصريحات للنائب بلال عبد الله. غير أن مثل هذه الادعاءات تبقى بحاجة إلى تحقيقات قضائية مستقلة وأحكام قضائية نهائية لإثباتها أو نفيها، وهو ما لم يحصل حتى اليوم.
وهنا تبرز المشكلة الأساسية: غياب المحاسبة. فاستمرار تعطّل القضاء أو التشكيك باستقلاليته يجعل الرأي العام يفقد الثقة بقدرة الدولة على كشف الحقيقة، سواء في ملفات الفساد أو الانهيار المالي.
اتفاق الإطار… إعادة إنتاج المشهد؟
في ضوء مواقفه الأخيرة، يرى معارضو جنبلاط أنه يعيد التموضع في مواجهة أي مسار قد يؤدي إلى تعزيز سلطة الدولة واستعادة قرارها السيادي، معتبرين أن هذا النهج ينسجم مع خيارات سابقة فضّل فيها التسويات مع القوى المهيمنة على حساب مشروع الدولة.
في المقابل، يؤكد مؤيدوه أن موقفه ينطلق من خشية إدخال لبنان في مسارات قد تزيد الانقسام الداخلي، وأن هدفه الحفاظ على الاستقرار.
ويبقى الحكم في النهاية مرتبطًا بتقييم كل مرحلة ونتائجها على الدولة اللبنانية.
الخلاصة
يصعب إنكار أن وليد جنبلاط يمتلك قدرة استثنائية على قراءة التحولات السياسية والبقاء في قلب المشهد. لكن السؤال الذي يلاحقه منذ عقود هو: هل استخدم هذه القدرة لبناء دولة قوية، أم لضمان استمرار التوازنات التي أبقت الدولة ضعيفة؟
هذا السؤال لا يتعلق بشخصه فقط، بل بتاريخ النظام السياسي اللبناني بأكمله، حيث غالبًا ما انتصرت التسويات والمحاصصات على مشروع الدولة، وبقيت المؤسسات تدفع ثمن تبدّل التحالفات، فيما بقي اللبنانيون ينتظرون دولة قادرة على فرض سيادتها وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.










07/13/2026 - 00:33 AM





Comments