*فاروق غانم خداج
في الساعات الأخيرة من مساء الأحد، لم تكن صفارات الإنذار التي دوّت في أبوظبي والدوحة والمنامة والكويت مجرد حادثة عابرة في نشرة أخبار مزدحمة. كانت إعلانًا صامتًا عن تحوّل بدأ يتشكّل منذ أسابيع: إيران، التي اعتادت العالم على رؤيتها في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، توجّه اليوم قدرًا متزايدًا من نيرانها نحو جيرانها في الخليج. فهل هذا استبدال حقيقي لجبهة بأخرى، أم أن الصورة أعقد من عنوان؟.

من طهران المحاصَرة إلى خليج مستهدَف
لفهم اللحظة الراهنة، لا بد من العودة إلى نقطة البداية. ففي ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا واسعًا على إيران استهدف قيادتها السياسية والأمنية ومنشآتها النووية، في عملية بدا واضحًا أن هدفها لم يكن انتزاع تسوية تفاوضية بل إضعاف النظام تمهيدًا لإسقاطه. خرجت طهران من تلك الجولة منهكة، وقد فقدت قيادات أمنية وعسكرية بارزة، وهو ما دفع مستشارين مقرّبين من المرشد الأعلى للتلميح إلى أن النظام لم يعد يرى في التفاوض خيارًا واقعيًا.
منذ ذلك الحين، لم تختفِ المواجهة مع إسرائيل، لكنها اتخذت طابعًا متقطعًا: هدنة هشة، ثم رشقات صاروخية محدودة باتجاه شمال إسرائيل، ثم تهديدات متبادلة "برد ساحق". في المقابل، بدأت بوصلة إيران الفعلية تتحرك تدريجيًا نحو مسرح آخر بات أكثر قابلية للاستهداف: مياه الخليج ومنشآته وقواعده.
الأيام الأخيرة قدّمت الدليل الأوضح على هذا التحوّل. فقد جدّدت إيران هجماتها في وقت واحد على البحرين وقطر والإمارات والكويت، ما اضطر هذه الدول الأربع إلى تفعيل منظومات دفاعها الجوي في حالة استنفار غير معتادة. واللافت أن قطر، التي لطالما لعبت دور الوسيط الحريص على النأي بنفسه عن التصعيد، وجدت نفسها مستهدفة لأول مرة منذ أبريل، بينما تصدّت الإمارات لهجمات بالصواريخ والمسيّرات لأول مرة منذ مايو. وأعلنت طهران في الوقت نفسه إغلاق مضيق هرمز مجددًا، في رسالة بدت واضحة في دلالاتها: من يملك مفتاح الممر الأكثر حيوية للطاقة العالمية، يملك أيضًا ورقة ضغط لا تُقارَن بأي رشقة صواريخ نحو تل أبيب.
لماذا الخليج الآن؟
الإجابة لا تكمن في عداء مفاجئ تجاه جيران كانت طهران تتحاشى استفزازهم علنًا لعقود، بل في حسابات باردة لموازين القوة. فإسرائيل، المدعومة بغطاء أمريكي مباشر ومنظومات دفاع جوي متقدمة، أثبتت أنها هدف مكلف ومحصّن. أما دول الخليج، رغم ثقلها الاقتصادي الهائل للاقتصاد العالمي، فهي من الناحية العسكرية البحتة أكثر انكشافًا، وتاريخيًا حرصت على عدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع طهران. هذا الحرص، الذي كان يُقرأ كحكمة استراتيجية، بات اليوم يُفسَّر من جانب النظام الإيراني على أنه ثغرة يمكن استثمارها.
ثمة عامل آخر لا يقل أهمية: إيران بعد فبراير لم تعد تراهن على انتصار عسكري حاسم، بل على إعادة تعريف "الكلفة" التي يتحمّلها الجميع من استمرار الحرب. فبينما يصعب عليها إلحاق ضرر استراتيجي بإسرائيل المحصّنة، يمكنها بسهولة أكبر أن تُربك الملاحة في هرمز، وتُقلق أسواق النفط، وتضع دول الخليج أمام معضلة: إما الانخراط في مواجهة لم تخترها، أو تحمّل تبعات اقتصادية وأمنية متصاعدة. بعبارة أخرى، لم تعد الجبهة الإسرائيلية وحدها ساحة الرسائل؛ الخليج بات أداة ضغط إضافية بأدوات أرخص وأثر أوسع.
استبدال أم توزيع جديد للأعباء؟
لكن الوصف الدقيق للمشهد ليس "استبدالًا" بالمعنى الحرفي. إيران لم تُغلق الجبهة مع إسرائيل ولم تُعلن التخلي عنها؛ التهديدات المتبادلة لا تزال قائمة، والهدنة الهشة قد تنهار في أي لحظة. ما يحدث أقرب إلى إعادة توزيع للأعباء والرسائل عبر جبهات متعددة في آن واحد، وهو نمط ليس غريبًا عن الاستراتيجية الإيرانية التي طالما اعتمدت على "توزيع الردع" بدل حصره في نقطة واحدة قابلة للانهيار.
ومع ذلك، فإن اتساع نطاق الاستهداف الخليجي، وتصريحات دبلوماسيين خليجيين وصفوا استهداف مجلس التعاون بأنه "خطأ حسابي فادح" من طهران، يشيان بأن شيئًا جوهريًا قد تغيّر: الخليج لم يعد هامشًا آمنًا في معادلة الحرب، بل تحوّل إلى جبهة قائمة بذاتها، تُدار بمنطقها الخاص بعيدًا عن حسابات إسرائيل وحدها.
ما وراء الأرقام
خلف كل عنوان عن "تفعيل منظومات الدفاع الجوي" أو "إغلاق مضيق هرمز"، هناك ملايين من سكان الخليج الذين اعتادوا النظر إلى بلدانهم كواحات استقرار وسط إقليم مضطرب. اليوم، تتحول تلك الواحات نفسها إلى ساحة انتظار قلقة، بين تحذيرات رسمية بالبقاء في المنازل، وأصوات انفجارات لم تكن يومًا جزءًا من المشهد اليومي لهذه العواصم. حتى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وجد نفسه مضطرًا للتحذير من "تصعيد خطير" يهدد استقرارًا إقليميًا لطالما اعتُبر من المسلّمات.
السؤال إذن ليس فقط "هل استبدلت إيران إسرائيل بالخليج؟"، بل أيضًا: كم من الوقت يستطيع الخليج أن يظل ساحة رسائل في حرب لم يخترها، قبل أن يتحوّل الانتظار القلق إلى واقع لا رجعة فيه؟
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني










07/13/2026 - 00:57 AM





Comments