بقلم: فرنسوا الجردي
ليست المشكلة في الحوار بين لبنان وسوريا، فالعلاقات بين الدول المتجاورة ضرورة تفرضها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة. كما أن أحدًا لا يعترض على التعاون في ملفات الحدود، والتجارة، والطاقة، والأمن، والنازحين، وغيرها من القضايا التي تستوجب تنسيقًا دائمًا بين الحكومتين.
لكن المشكلة تبدأ عندما يُنشأ إطار موازٍ للمؤسسات الدستورية والدبلوماسية القائمة، فيتحول إلى مرجعية سياسية وإدارية جديدة تتداخل صلاحياتها مع صلاحيات السفارات والوزارات، وتفتح الباب أمام ازدواجية القرار.
فاللجنة اللبنانية – السورية المشتركة، مهما اختلفت تسميتها، تطرح تساؤلات دستورية وسياسية مشروعة حول الحاجة إليها، في ظل وجود سفارتين معتمدتين في بيروت ودمشق، وسفيرين يمثلان الدولتين وفق أحكام اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، إضافة إلى وزارتي الخارجية في البلدين.
إذا كانت السفارات موجودة أصلاً لتنسيق العلاقات السياسية، ومتابعة التعاون الأمني، والاقتصادي، والقضائي، والثقافي، والاجتماعي، ونقل المواقف الرسمية بين الحكومتين، فما الحاجة إلى إنشاء لجنة عليا جديدة تقوم بالمهام نفسها؟
وهل نحن أمام جهاز تنسيقي مساعد، أم أمام مرجعية سياسية جديدة موازية للدبلوماسية التقليدية؟
لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن اللجان المشتركة الواسعة الصلاحيات تتحول، مع مرور الوقت، إلى مراكز قرار تتجاوز المؤسسات الدستورية، خصوصًا عندما تُمنح صلاحيات فضفاضة تشمل "التنسيق في جميع الملفات". فهذه العبارة وحدها تكفي لطرح علامات استفهام حول حدود اختصاصها، وآليات مساءلتها، والجهة التي تراقب أعمالها.
ويستعيد اللبنانيون، بطبيعة الحال، تجربة المجلس الأعلى اللبناني – السوري، الذي نشأ بموجب معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق عام 1991، والذي اعتبره مؤيدوه إطارًا لتنظيم العلاقات، فيما رأى فيه معارضوه آنذاك رمزًا لاختلال التوازن في العلاقة بين الدولتين في ظل الظروف السياسية التي كانت قائمة.
ومن هنا، فإن استحداث لجنة جديدة بصلاحيات واسعة يعيد إلى الأذهان ذلك النموذج، حتى لو اختلفت الظروف السياسية الحالية واختلفت التسمية.
إن العلاقات الطبيعية بين الدول لا تحتاج إلى مؤسسات استثنائية، بل إلى احترام المؤسسات القائمة. فالسفارات ليست مجرد مكاتب لإصدار التأشيرات، بل هي الأداة القانونية والدبلوماسية المعترف بها دوليًا لإدارة العلاقات الثنائية، ونقل الرسائل الرسمية، والتفاوض، وحل الإشكالات، ومتابعة الاتفاقيات، والتنسيق بين الحكومات.
وعندما تصبح هناك لجنة تتولى ما تتولاه السفارات والوزارات أصلًا، فإن السؤال يصبح مشروعًا: من يقرر؟ ومن يتابع؟ ومن يُحاسب؟ وأي جهة ستكون صاحبة الكلمة الفصل عند اختلاف وجهات النظر؟
إن تضارب الصلاحيات لا يؤدي إلى تعزيز التعاون، بل إلى إضعاف المؤسسات، وإرباك القرار الإداري والسياسي، وخلق قنوات موازية قد تتقدم عمليًا على المؤسسات الدستورية.
ومن الناحية الدستورية، فإن الأصل هو أن تتم العلاقات الخارجية عبر السلطات المختصة المنصوص عليها في الدستور، ومن خلال وزارة الخارجية والسلك الدبلوماسي، وأن تُعرض أي اتفاقات ذات طابع ملزم على الأصول الدستورية، لا أن تُدار الملفات الحساسة عبر أطر سياسية ذات صلاحيات عامة وواسعة.
إن لبنان، الذي يسعى إلى ترسيخ سيادته واستقلال قراره الوطني، ليس بحاجة إلى استنساخ هياكل جديدة قد تثير الانقسام الداخلي، بل إلى تعزيز مؤسسات الدولة القائمة، واحترام قواعد العمل الدبلوماسي الحديثة.
إن أفضل علاقة بين لبنان وسوريا ليست تلك التي تُدار عبر لجان استثنائية، بل تلك التي تقوم على الندية الكاملة، والاحترام المتبادل، والسيادة المتساوية، والتعاون عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية التي تعترف بها الأسرة الدولية.
أما الإكثار من اللجان ذات الصلاحيات المفتوحة، فهو لا يعزز الدولة، بل يثير الشكوك حول الحاجة الفعلية إليها، ويطرح سؤالًا سياسيًا مشروعًا: هل المطلوب تطوير العلاقات بين دولتين، أم إعادة إنتاج مؤسسات أثبت التاريخ اللبناني أنها كانت موضع انقسام وجدل؟
إن رفض إنشاء مثل هذه اللجان لا يعني رفض التعاون مع سوريا، بل يعني التمسك بمبدأ الدولة والمؤسسات، ورفض أي ازدواجية في القرار أو الصلاحيات، لأن العلاقات بين الدول تُبنى على قواعد القانون الدولي والدبلوماسية، لا على هياكل موازية قد تتحول مع الوقت إلى مرجعيات تتجاوز الدور الطبيعي للسفارات والوزارات.











07/06/2026 - 08:40 AM





Comments