محمد النصراوي *
في كل قرية أو حي عراقي هناك رجل معروف بأن له الكلمة الفصل حين يقع نزاع، قد يكون شيخ عشيرة أو رجل دين أو حتى تاجراً نافذاً، لكن القاسم المشترك أن الناس يذهبون إليه لا لأنه يملك سلطة رسمية بل لأنهم يثقون أن كلمته تنفذ فعلياً بعكس ورقة رسمية قد تبقى حبراً على مكتب موظف لأشهر او سنوات، هذا المشهد المتكرر يومياً في مئات المناطق العراقية يلخص جوهر مشكلة السلاح المنفلت أكثر من أي تحليل نظري فالعراقي لا يبحث عن قوة يطيعها بل عن توقيع يثق أنه سيُنفذ.
المشكلة أن هذا التوقيع الموثوق اليوم متعدد المصادر، فبعض المناطق تثق بتوقيع القضاء وبعضها يثق أكثر بتوقيع شيخ العشيرة وبعضها بتوقيع فصيل مسلح يسيطر على الأرض فعلياً بصرف النظر عن يافطته السياسية، والنتيجة أن الدولة من حيث المبدأ هي الجهة الوحيدة المفترض أن توقع على قرار الأمن لكنها من حيث الممارسة الفعلية تتشارك هذا التوقيع مع جهات أخرى كثيرة بعضها معلن وبعضها صامت.
حين يصبح التأخير في المحكمة سبباً لحمل السلاح
لو سألت عراقياً بسيطاً لماذا يحتفظ بسلاح في بيته أو يحتمي بجهة مسلحة في نزاعه فإن جوابه النادر أن يقول (لأنني أحب القوة)، الجواب الأقرب للواقع هو شكوى من نوع آخر تماماً:
قضية في المحكمة تأخرت سنوات أو خصم يملك معارف تجعل تنفيذ الحكم عليه أمراً مستحيلاً عملياً أو شرطي محلي لا يجرؤ على التحرك دون غطاء من جهة أقوى منه، السلاح هنا ليس رغبة في الهيمنة بقدر ماهو تأمين ذاتي بديل عن مؤسسة تأخرت في الوصول إليه في اللحظة التي احتاجها فيها.
هذا يعني أن أي حملة لجمع السلاح إن لم تُصاحَب بإصلاح موازٍ في سرعة التقاضي ونزاهته ستكون كمن يسحب من الناس مظلتهم القديمة في يوم ماطر دون أن يقدم لهم سقفاً بديلاً يحتمون تحته، النتيجة المتوقعة عندها ليست اختفاء السلاح بل انتقاله إلى الخفاء بدل الظهور العلني وهو أخطر بكثير لأنه يصعب رصده وضبطه.
اقتصاد المحافظة الواحدة
للملف أيضاً كلفة يومية ملموسة يشعر بها أصحاب المشاريع الصغيرة قبل الشركات الكبرى، فمعمل صغير أو مشروع زراعي في محافظة يشتهر فيها نزاع عشائري متكرر يجد صاحبه نفسه مضطراً لدفع تكاليف حماية غير رسمية أو تحمل مخاطر توقف الإنتاج فجأة بسبب اشتباك لا علاقة له به إطلاقاً، هذه التكلفة الخفية التي لا تظهر في أي تقرير اقتصادي رسمي هي ما يجعل شاباً طموحاً يفكر مرتين قبل أن يفتح مشروعه في منطقته نفسها ويفضل الهجرة إلى محافظة أخرى القانون فيها قوي أو حتى خارج العراق كلياً.
الحل ليس في مصادرة البندقية بل في تسريع التوقيع الرسمي
الخطوة الأهم عملياً ليس جمع الأسلحة الظاهرة فقط بل تسريع التوقيع الرسمي في حياة الناس اليومية:
محاكم أسرع.
شرطة محلية قادرة على التحرك دون خوف من موازين القوى.
متابعة فعلية وشفافة للقضايا العالقة التي تدفع الناس أصلاً للبحث عن حلول موازية.
فحين يشعر المواطن أن توقيع الدولة يصل إليه في وقته لن يحتاج للبحث عن توقيع آخر بديل سلاحاً كان أم واسطة أم نفوذاً عشائرياً.
نجاح أي خطة لحصر السلاح بيد الدولة لن يُقاس بعدد البنادق التي جُمعت في مستودعات الدولة بل بعدد العراقيين الذين توقفوا عن الشعور بأنهم يحتاجون توقيعاً آخر غير توقيع دولتهم لحماية حقهم.
* كاتب ومحلل سياسي عراقي











07/06/2026 - 08:27 AM





Comments