بعد الاتفاق الإطاري... الميدان هو الامتحان الأخير للدولة اللبنانية

06/29/2026 - 12:06 PM

Atlantic home care

 

 

 

بقلم: فرنسوا الجردي

لم يعد السؤال في لبنان اليوم: هل تم توقيع الاتفاق الإطاري أم لا؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: هل تمتلك الدولة اللبنانية القدرة والإرادة لتطبيق ما وقّعت عليه؟

ففي تاريخ الدول، لا تُقاس أهمية الاتفاقات بما تتضمنه من بنود، بل بمدى قدرة الدولة على تحويل النصوص إلى وقائع، والالتزامات إلى سياسات، والوعود إلى أفعال. وما لم يحدث ذلك، تبقى الاتفاقات مجرد أوراق تُضاف إلى أرشيف الأزمات اللبنانية.

لقد فتح الاتفاق الإطاري مرحلة سياسية جديدة، لكنه في الوقت نفسه وضع الدولة اللبنانية أمام امتحان غير مسبوق منذ اتفاق الطائف. فالملف لم يعد يقتصر على ترسيم تفاهمات أو وقف أعمال عسكرية، بل أصبح يتعلق بجوهر الدولة نفسها: من يحتكر قرار الحرب والسلم؟ ومن يملك السلاح؟ ومن يقرر مستقبل لبنان؟

منذ سنوات طويلة يعيش لبنان في واقع سياسي وأمني يقوم على ازدواجية السلطة. فهناك دولة بمؤسساتها الدستورية، وفي المقابل قوة عسكرية تمتلك قراراً مستقلاً في كثير من الملفات الإقليمية. وهذه الازدواجية كانت سبباً دائماً في إدخال لبنان في أزمات داخلية وخارجية، وأضعفت ثقة المجتمع الدولي بالدولة اللبنانية، وأثرت سلباً على الاقتصاد والاستثمارات والعلاقات العربية والدولية.

اليوم، وبعد الاتفاق الإطاري، لم يعد بالإمكان تأجيل هذا الاستحقاق. فالمجتمع الدولي سيراقب التنفيذ، والدول الداعمة ستربط أي مساعدات أو استثمارات بقدرة الدولة على فرض سلطتها الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية، وفقاً للدستور والقوانين والقرارات الدولية ذات الصلة.

غير أن المقاربة الحكيمة تقتضي التمييز بين مواجهة الدولة مع أي سلاح خارج إطارها وبين المواجهة مع البيئة اللبنانية التي ينتمي إليها هذا السلاح. فالدولة، إذا أرادت استعادة سلطتها، ينبغي أن تعتمد مساراً سياسياً ودستورياً وأمنياً متدرجاً يحفظ السلم الأهلي ويمنع الانزلاق إلى صدام داخلي، لأن أي مواجهة أهلية ستكون انتصاراً للهزيمة لا للدولة.

إن بناء الدولة لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بتعزيز المؤسسات، وإعادة الثقة بين اللبنانيين، وإطلاق حوار وطني جاد يفضي إلى احتكار الدولة وحدها للسلاح الشرعي، بما ينسجم مع الدستور ومبدأ سيادة القانون.

وفي المقابل، فإن أي تراجع عن تنفيذ الالتزامات أو استمرار واقع ازدواجية القرار سيحمل تداعيات خطيرة. فلبنان قد يجد نفسه مجدداً أمام عزلة سياسية، وتردد عربي ودولي في دعمه، واستمرار نزيف الاقتصاد والهجرة، مع بقاء خطر التصعيد العسكري قائماً في أي لحظة.

إن المرحلة المقبلة لن تكون اختباراً للحكومة وحدها، ولا لرئيس الجمهورية وحده، ولا للقوى السياسية منفردة، بل ستكون اختباراً لفكرة الدولة اللبنانية نفسها. فإما أن تنجح مؤسساتها في ترسيخ سيادتها الكاملة وفق الدستور، وإما أن يبقى لبنان أسير موازين القوى الداخلية والإقليمية.

لقد اعتاد اللبنانيون طوال عقود على توقيع اتفاقات كثيرة: من الطائف إلى التفاهمات والقرارات الدولية والمبادرات المختلفة. لكن التجربة أثبتت أن المشكلة لم تكن في النصوص، بل في التنفيذ.

ولهذا، فإن العبارة الأكثر دقة اليوم ليست أن «الميدان يتكلم»، بل إن الدولة هي التي يجب أن تتكلم من خلال مؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون، ووحدة القرار الوطني. فهناك فقط يُكتب التاريخ الحقيقي للدول، وتُستعاد ثقة المواطنين والعالم بلبنان.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment