بيروت – تحقيق جورج ديب
لم يعد النقاش حول دور رئيس الجمهورية جوزاف عون وقائد الجيش رودولف هيكل مسألة دستورية أو سجالاً سياسياً، بل صار سؤالاً مصيرياً يتعلق ببقاء الدولة نفسها. اللبنانيون، الذين سُحقوا تحت أعباء الانهيار، لم يعودوا يبحثون عن خطابات منمّقة ولا عن وعود تُقال ثم تُنسى، بل عن قيادة تمتلك الجرأة على المواجهة، وتملك القدرة على اتخاذ القرار حين يصبح التردّد جريمة بحق الناس.
رئيس الجمهورية جوزاف عون أثبت في أكثر من محطة أنه ليس رئيساً بروتوكولياً، بل رجل دولة يعرف أن موقع الرئاسة ليس للحياد بل للمواجهة.
في زمن الانهيار، اختار أن يكون في قلب المعركة، لا على هامشها. واجه الضغوط، رفض أن يتحوّل إلى شاهد على سقوط الدولة، وقرّر أن يعيد للرئاسة دورها الطبيعي: قيادة القرار الوطني، حماية الدستور، ورفع سقف المصلحة العامة فوق مصالح القوى التي تتقاسم الدولة كما لو كانت ملكاً خاصاً.
في بلد اعتاد الفراغات، جاء عون ليقول إن الرئاسة ليست مقعداً يُملأ، بل مسؤولية تُحمَل. وإن اللبنانيين، الذين تعبوا من المساومات، وجدوا فيه صوتاً واضحاً لا يساير الفساد ولا يختبئ خلف الأعذار.
أما قائد الجيش رودولف هيكل، فهو يقف في النقطة الأكثر حساسية في هذا البلد المتصدّع، لكنه اختار أن يكون صلباً في زمن الانهيار. المؤسسة العسكرية، التي بقيت آخر ما تبقّى من ثقة اللبنانيين بالدولة، وجدت في هيكل قائداً يعرف أن الجيش ليس جهازاً أمنياً فقط، بل خط الدفاع الأخير عن ما تبقّى من الوطن.
في لحظات الفوضى، وقف الجيش بين الناس والفوضى، بين الحدود والتهديدات، بين الدولة والانهيار. ومع ذلك، حاولت السياسة جرّه إلى محاورها، لكنه رفض. تمسّك بحياد المؤسسة، لا حياد الضعف، بل حياد القوة: حياد يحمي الدولة من الانقسام، ويحمي الجيش من التحوّل إلى أداة في يد أي طرف.
هيكل لم يكن صامتاً، بل كان واضحاً: الجيش لن يُستخدم، ولن يُقسَّم، ولن يُجرّ إلى معارك الآخرين. مهمته حماية اللبنانيين حين تتخلى السياسة عنهم، ومنع الفوضى حين يفتح السياسيون أبوابها، والحفاظ على المؤسسة حين ينهار كل شيء حولها. وفي بلد يريد كل طرف أن يجرّ الجيش إلى جانبه، كان موقف هيكل هو الأكثر جرأة: الجيش للبنان، لا لأي محور.
بين الرئيس وقائد الجيش مساحة لا تُقاس بالنصوص بل بالثقة. اللبنانيون يريدون قيادة لا تخاف من قول ما يجب قوله، ولا تتردّد في اتخاذ القرار حين يصبح التأخير خطراً على حياة الناس. وجدوا في الرئيس جوزاف عون موقفاً صريحاً لا يساير الفساد، وفي قائد الجيش رودولف هيكل صلابة تحمي الدولة من الانهيار.
الحقيقة التي يرفض كثيرون الاعتراف بها هي أن لبنان اليوم لا يحتاج إلى حياد، بل إلى قيادة واضحة، حادّة، تعرف أن الدولة لا تُحمى بالتسويات، بل بالقرارات التي تُتخذ حين يخاف الآخرون من اتخاذها.
اللبنانيون تعبوا من الانتظار، تعبوا من الفراغ، تعبوا من القيادات التي تخشى المواجهة. ما يحتاجونه اليوم هو قيادة تقول الحقيقة مهما كانت مؤلمة، وتتحمّل مسؤولية اللحظة مهما كانت قاسية. وفي هذه اللحظة، يقف الرئيس وقائد الجيش في موقع واحد: موقع حماية الدولة، مهما كان الثمن.












06/29/2026 - 13:06 PM





Comments