من نافذة العمر... إلى الوطن

06/25/2026 - 14:03 PM

Atlantic home care

 

 

رشيد ج. مينا

بعد قليل من المشي في الممشى القريب من سكني في الغربة، وهو أمر أحرص على ممارسته كلما سنحت الفرصة، توجهت إلى أحد المقاهي التي أرتادها من وقت إلى آخر. طلبت كعادتي فنجان إسبريسو، وشممت رائحة القهوة النفاذة التي كانت يومًا رفيقة دائمة لي، قبل أن تتغير أشياء كثيرة في الحياة، فليس في الدنيا ما يبقى على حاله.

جلست إلى طاولة مطلة على الشارع والممشى، وبدأت أرتشف القهوة بهدوء. وما هي إلا لحظات حتى أخذني الخيال إلى الماضي البعيد والقريب، إلى الطفولة وأحلامها، إلى سنوات الشباب وحماسته، إلى محطات العمر التي تعاقبت بما حملته من آمال وإخفاقات، ومن أفراح وأحزان، ومن نجاحات وخيبات.

تساءلت بيني وبين نفسي: هل السبب في ما وصلنا إليه ذاتي أم أنه واقع لم نصنعه ولم نختره؟ هل تبدلت الأحلام أم تبدلنا نحن؟ وهل تغيرت القناعات أم أن التجارب كشفت لنا ما كان مستترًا خلف الشعارات؟

سرحت بعيدًا، وكأنني في طائرة تحلق فوق سنوات العمر. من نافذتها بدت الأحداث التي كانت يومًا تملأ الدنيا ضجيجًا أصغر مما بدت عليه حين عشناها. طفولة وشباب ورجولة. حب وعائلة. نضال وتجارب. بذل وعطاء. نجاحات وإخفاقات. سنوات طويلة بدت من ذلك الارتفاع مجرد محطات متتابعة في رحلة أكبر اسمها الحياة.

لكن ما استوقفني أكثر من أي شيء آخر كان الوطن.

ذلك الوطن الذي أحببناه حتى صار جزءًا من تكويننا النفسي والعاطفي. وطن حملناه في قلوبنا أكثر مما حملناه في أيدينا. وطن عرفناه علمًا يرفرف في المناسبات، ونشيدًا بالكاد نتذكر كلماته كاملة، وأحلامًا كبيرة كبرت معنا عامًا بعد عام.

لكن هل عرفنا الوطن حقًا؟ أم أننا أحببنا صورته أكثر مما عشنا واقعه؟ كم من مرة حلمنا بدولة تحمي الإنسان وتصون كرامته وتمنحه حقوقه الطبيعية في التعليم والعمل والطبابة والسكن والعدالة، ثم اصطدمنا بواقع مختلف تمامًا؟

كان الهبوط من ذلك الارتفاع مؤلمًا، لأن العودة إلى الأرض تعني العودة إلى الحقيقة. والحقيقة أن الإنسان لا يستطيع أن يشعر بكامل إنسانيته في وطن تغيب فيه الدولة القادرة، وتضعف فيه المؤسسات، ويصبح فيه المواطن مطالبًا بالواجبات أكثر مما يتمتع بالحقوق.

أنهيت فنجان القهوة الأول، وإذا بي أطلب الثاني، وهو أمر لم أعتده منذ سنوات. ربما لأن الجولة لم تكن قد انتهت بعد. ومع استمرار الرحلة حضرت سنوات العمل العام بكل ما فيها من تفاصيل. لقاءات وندوات ومؤتمرات ومهرجانات وحوارات سياسية وفكرية وثقافية. نشرات ووثائق وبرامج ورؤى وخلاصات. يومها كان يخيل إلينا أننا نقترب من التغيير، وأن المستقبل الذي نحلم به بات قاب قوسين أو أدنى.

لكن السنوات علمتني أن كثيرًا مما بدا عملاً جماعيًا منظمًا لم يكن في أحيان كثيرة سوى إعادة إنتاج لمواقف جاهزة، وأن كثيرًا من اللقاءات والمؤتمرات لم تتجاوز حدود التعبير عن اصطفافات قائمة أو استعراضات سياسية وفكرية لا أكثر. وكم من الناس دخلوا تلك الساحات وهم يظنون أنهم يصنعون التاريخ، ليكتشفوا لاحقًا أنهم كانوا جزءًا من مشهد صيغت كثير من ملامحه مسبقًا.

لا أقول ذلك من باب اليأس أو التنكر للتاريخ أو التقليل من قيمة النضال والتضحيات. فالأمم لا تنهض من دون رجال ونساء يؤمنون بقضاياها ويحملون همومها. لكن التجربة علمتني أن المراجعة ضرورة، وأن إعادة النظر في المسارات والأدوات والأفكار ليست خيانة للمبادئ، بل شرط من شروط بقائها حية وقادرة على التجدد.

ومع آخر رشفات فنجان القهوة الثاني، بدا لي أن كثيرًا مما اعتبرناه ثابتًا كان عابرًا، وأن كثيرًا مما ظنناه انتصارًا أو هزيمة لم يكن بالحجم الذي تصورناه.

أما الثابت الحقيقي الذي بقي صامدًا أمام تقلبات الزمن، فكان الإنسان.

الحب الصادق.

العائلة.

الأسرة.

الأصدقاء الحقيقيون. والقيم التي تمنح الحياة معناها.

وهنا أدركت أن استرداد إنسانيتنا هو في جوهره استرداد لحريتنا، وأن تحرير عقولنا من التبعية والأوهام والسرديات الجاهزة هو المدخل الحقيقي لاستعادة القدرة على الفعل وصناعة المستقبل.

إن العروبة ليست حلمًا مستحيلاً، والحرية والعدالة ليستا أوهامًا مؤجلة، وأهداف الأمة في النهضة والوحدة والكرامة ليست خيالًا سياسيًا. لكن الوصول إليها لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالوعي والإرادة والعمل، وببناء دولة تحترم الإنسان وتستثمر طاقاته وتحفظ حقوقه وتصون كرامته.

انتهى فنجان القهوة، لكن الجولة لم تنتهِ.

فالحياة ما زالت مستمرة، ومعها تستمر رحلة التعلم ومراجعة الأفكار واستخلاص العبر.

وإذا كانت السنوات قد علمتني شيئًا، فهو أن المال ليس القيمة، ولا النفوذ، ولا السلطة، ولا التوحش الرأسمالي الذي يحول الإنسان إلى رقم أو أداة.

القيمة الحقيقية كانت وما زالت في الإنسان.

في وعيه.

وفي حريته.

وفي كرامته.

وفي قدرته على الحب والعطاء والبناء. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، كما لا تُبنى بالحنين إلى الماضي، بل بإنسان حر واعٍ يمتلك إرادة الفعل، ويؤمن أن استعادة الوطن تبدأ باستعادة الإنسان لنفسه.

ولهذا، ورغم كل ما مضى، لا أرى في الرحلة دعوة إلى اليأس، بل دعوة إلى التفكر، وإلى النظر إلى الماضي من ارتفاع يسمح برؤية أوضح، وإلى قراءة الحاضر بواقعية أكبر، تمهيدًا لصناعة مستقبل أكثر صدقًا وعدالة وإنسانية.

انتهى فنجان القهوة... أما الرحلة فما زالت مستمرة.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment