مفيد خطّار
في كلّ مناسبةٍ تتوالى عباراتُ الشكر والعرفان لهذا البلد أو ذاك، حتى ليخيَّل للمرء أنّ أصحاب هذه الكلمات لا يعيشون على أرضٍ اسمها لبنان، ولا يحملون جنسيّتَه، ولا يتمتّعون بما يوفّره لهم من وطنٍ وهويّةٍ وحريّاتٍ ومساحةٍ للتعبير والعمل والحياة.
لا أحد يعترض على شكر من قدّم دعمًا أو مساعدةً أو موقفًا سياسيًّا. فالشكر قيمةٌ أخلاقيّةٌ نبيلة، والاعتراف بالجميل من شيم الكرام. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف تتّسع لوائح الامتنان لكلّ الجهات، فيما يغيب عنها لبنان مرّةً بعد مرّة؟
فلبنان ليس مجرّد بقعةٍ جغرافيّةٍ نقيم فوقها، بل هو الوطن الذي منح أبناءه اسمهم وهويّتهم وجنسيّتهم وحقّهم في الوجود السياسي والقانوني. وهو الأرض التي احتضنتهم في أحلك الظروف، والدولة التي بقيت، رغم ضعفها وأزماتها، المظلّة التي ينتمون إليها أمام العالم.
ومع ذلك، نسمع شكرًا لسوريا، وشكرًا لقطر، وشكرًا لإيران، وشكرًا لسواها، فيما يظلّ لبنان الغائب الأكبر عن كلمات الامتنان. وكأنّ الوطن الذي يعيشون فيه ويتمتّعون بحقوقه ويستفيدون من خيراته صار تفصيلًا لا يستحقّ الذكر.
إنّ المشكلة ليست في توجيه الشكر للخارج، بل في تغييب الداخل. فالوفاء الحقيقي لا يبدأ من وراء الحدود، بل من الأرض التي نحيا عليها وننتمي إليها. أمّا حين يصبح الخارج حاضرًا دائمًا في الوجدان السياسي، ويغيب الوطن عن أبسط عبارات العرفان، فإنّ الأمر يتجاوز المجاملة السياسيّة ليطرح تساؤلاتٍ أعمق حول معنى الانتماء وحدوده.
ويذكّر هذا السلوك بطائرٍ يرعى في أرضٍ، ويأكل من خيراتها، ويحتمي بسمائها، ثمّ يوجّه نظره إلى مكانٍ آخر. غير أنّ الإنسان ليس طائرًا تحكمه الغرائز، بل كائنٌ يعي معنى الوفاء، ويدرك أنّ الانتماء ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل التزامٌ أخلاقيّ يبدأ بالاعتراف بفضل الوطن.
ليس مؤسفًا أن يشكر الإنسانُ من ساعده، بل المؤسف أن ينسى الوطن الذي احتضنه. فحين يحضر الخارج في كلّ كلمة امتنان، ويغيب لبنان عن كلّ لائحة شكر، لا يعود الأمر مجرّد عرفانٍ بالجميل، بل يصبح علامةَ خللٍ في سلّم الأولويّات، وسؤالًا مشروعًا عن معنى الانتماء نفسه. فالوطن ليس آخر من يُشكَر، بل أوّل من يُذكَر؛ لأنّه الأصل الذي منه ننطلق، والمظلّة التي تحتوينا، والاسم الذي نحمله أمام العالم. ومن يعجز عن شكر وطنه، يصعب عليه إقناع الآخرين بصدق وفائه لغيره.












06/24/2026 - 07:06 AM





Comments