مؤسسة مطار بيروت الجديدة بين الإصلاح الإداري ومقتضيات المناصفة

06/24/2026 - 06:27 AM

A

 


بقلم: فرنسوا الجردي

أثار البيان الصادر عن النائب أديب عبد المسيح حول إنشاء "شركة مؤسسة مطار بيروت الدولي" نقاشاً يتجاوز مجرد التعيينات الإدارية ليصل إلى جوهر النظام اللبناني القائم على التوازنات الدقيقة التي أرساها اتفاق الطائف بين المسلمين والمسيحيين في مؤسسات الدولة، ولا سيما في مراكز الفئة الأولى والمواقع الحساسة ذات الطابع السيادي والاستراتيجي.

لا شك أن تحديث إدارة مطار رفيق الحريري الدولي وإعادة هيكلة قطاع الطيران المدني يشكلان حاجة ملحة للبنان، خصوصاً في ظل الانتقادات المتكررة التي طالت الإدارة الحالية للمطار، والحاجة إلى اعتماد معايير الحوكمة الحديثة والشفافية والكفاءة الإدارية. فالمطار ليس مجرد مرفق عام، بل هو الواجهة الأولى للبنان أمام العالم والشريان الحيوي الذي يربط البلاد بالاقتصاد والسياحة والاستثمار والاغتراب.

غير أن أي إصلاح إداري في لبنان لا يمكن عزله عن الواقع الدستوري والسياسي الذي يحكم مؤسسات الدولة منذ إقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف عام 1989. فالمادة 95 من الدستور اللبناني، بعد تعديلها، كرست مبدأ المشاركة المتوازنة بين المسلمين والمسيحيين في وظائف الفئة الأولى وما يعادلها، باعتبار أن المناصفة ليست امتيازاً لفئة على حساب أخرى، بل ضمانة للاستقرار الوطني والشراكة الحقيقية في إدارة الدولة.

أولاً: الغموض القانوني في إنشاء المؤسسة

أثار النائب عبد المسيح نقطة جوهرية تتعلق بالأساس القانوني للمؤسسة المزمع إنشاؤها. فمن حق الرأي العام والجهات الرقابية والنيابية معرفة الإطار القانوني الذي ستقوم عليه هذه الشركة:

- هل ستكون مؤسسة عامة؟
- أم شركة مساهمة مملوكة بالكامل للدولة؟
- أم شركة مختلطة؟
- وما هي صلاحياتها وعلاقتها بوزارة الأشغال العامة والنقل؟
- وكيف ستتوزع المسؤوليات بينها وبين المديرية العامة للطيران المدني؟

هذه الأسئلة ليست شكلية، بل أساسية لضمان عدم خلق ازدواجية في الصلاحيات أو تحويل المطار إلى ساحة نفوذ سياسي جديدة تحت عنوان الإصلاح الإداري.

فالشفافية تقتضي نشر الهيكلية القانونية الكاملة للمؤسسة الجديدة قبل إقرارها، بما يتيح للخبراء والكتل النيابية والهيئات المعنية مناقشتها بصورة علمية وقانونية.

ثانياً: المناصفة ليست مطلباً فئوياً بل التزام دستوري

قد يحاول البعض تصوير مطالبة النائب عبد المسيح بإسناد رئاسة المؤسسة الجديدة إلى شخصية مسيحية على أنها مطلب طائفي ضيق، إلا أن القراءة الدستورية للموضوع مختلفة تماماً. فالنقاش لا يدور حول وظيفة عادية أو مركز إداري ثانوي، بل حول إدارة أحد أهم المرافق السيادية في الدولة اللبنانية.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن معظم المواقع الأساسية المؤثرة في قطاع الطيران المدني تشغلها شخصيات تنتمي إلى الطائفة الإسلامية، فيما يتراجع الحضور المسيحي بشكل ملحوظ داخل هذا القطاع. وإذا كانت رئاسة الهيئة العامة للطيران المدني ستبقى من حصة الطائفة الإسلامية، فإن إسناد رئاسة مؤسسة المطار إلى شخصية مسيحية ينسجم مع منطق التوازن الذي اعتمده لبنان لعقود طويلة.

إن المناصفة التي نص عليها الطائف لم تكن مجرد توزيع عددي للوظائف، بل فلسفة حكم تهدف إلى طمأنة المكونات اللبنانية كافة ومنع شعور أي فئة بالتهميش أو الإقصاء.

ثالثاً: العرف الإداري في قطاع الطيران

يشير البيان إلى عرف إداري ساد لسنوات طويلة في قطاع الطيران المدني، يقضي بأن تكون رئاسة هيئة الطيران المدني لطائفة معينة فيما تسند إدارة المطار لطائفة أخرى، حفاظاً على التوازن والشراكة.

صحيح أن الأعراف لا ترقى إلى مستوى النصوص الدستورية الملزمة، إلا أنها في لبنان اكتسبت أهمية خاصة بسبب طبيعة النظام التوافقي القائم على التوازنات الدقيقة. ومن المعروف أن العديد من المؤسسات اللبنانية تدار وفق أعراف سياسية وإدارية ساهمت في حفظ الاستقرار المؤسساتي لعقود طويلة.

لكن المشكلة الفعلية تكمن في أن بعض الحكومات والوزراء تجاهلوا هذه الأعراف عندما جمعت السلطات والصلاحيات في يد جهة واحدة أو ضمن بيئة سياسية واحدة، الأمر الذي ولّد شعوراً لدى فئات عديدة بأن التوازن الوطني بدأ يختل تدريجياً.

رابعاً: بين الكفاءة والمناصفة

في كل مرة يطرح فيها موضوع المناصفة، يبرز اعتراض يدعو إلى اعتماد معيار الكفاءة فقط بعيداً عن الاعتبارات الطائفية.

مبدئياً، لا خلاف على أن الكفاءة يجب أن تكون المعيار الأول في اختيار المسؤولين. لكن المشكلة أن النظام اللبناني الحالي لا يزال قائماً دستورياً على مبدأ الشراكة الطائفية في الفئة الأولى، وبالتالي فإن الكفاءة والمناصفة ليستا مفهومين متناقضين.

فالمطلوب ليس تعيين شخص غير مؤهل فقط لأنه ينتمي إلى طائفة معينة، بل اختيار الأكفأ ضمن إطار التوازن الدستوري الذي يحكم الدولة اللبنانية. وبالتالي فإن أي تعيين مستقبلي في مؤسسة المطار الجديدة يجب أن يجمع بين عنصرين متلازمين:

- الكفاءة والخبرة المهنية.
- احترام المناصفة والشراكة الوطنية.

خامساً: رسالة إلى السلطة السياسية

إن إنشاء مؤسسة جديدة لإدارة مطار بيروت يمكن أن يشكل فرصة حقيقية لإطلاق إصلاح إداري طال انتظاره في قطاع الطيران المدني، شرط ألا يتحول المشروع إلى مناسبة جديدة لتكريس الاختلالات القائمة أو لإثارة حساسيات وطنية إضافية.

فاللبنانيون اليوم يحتاجون إلى دولة قوية وعادلة، لا إلى دولة يشعر فيها أي مكون بأنه مستبعد من مواقع القرار الأساسية.

ومن هنا تبدو دعوة النائب أديب عبد المسيح إلى احترام المناصفة في المؤسسة الجديدة دعوة منسجمة مع روح اتفاق الطائف ومع مبدأ الشراكة الوطنية الذي قام عليه لبنان بعد الحرب.

إن العدالة في التمثيل لا تتعارض مع الإصلاح، بل تشكل أحد شروط نجاحه. فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تغيير الهياكل الإدارية، بل يبدأ أولاً ببناء الثقة بين الدولة ومكوناتها كافة، وبضمان شعور جميع اللبنانيين بأنهم شركاء متساوون في إدارة مؤسسات وطنهم وصنع مستقبله.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment