تقدّم في محادثات سويسرا بين واشنطن وطهران... ولبنان يحصد أولى ثمار التفاهمات
بيروت -بيروت تايمز -منى حسن
شهدت المحادثات الأميركية - الإيرانية التي استضافها منتجع بورغنشتوك السويسري خلال الساعات الماضية تقدماً لافتاً وُصف بـ"المشجّع"، بعدما نجحت الوساطتان القطرية والباكستانية في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران والتوصل إلى تفاهمات أولية تمهّد لمسار تفاوضي جديد قد يمتد لستين يوماً، وسط آمال بأن يشكل ذلك مدخلاً لمعالجة عدد من الملفات الإقليمية الملتهبة، وفي مقدمتها الملف اللبناني.
وبينما انشغلت العواصم المعنية بمتابعة تفاصيل المفاوضات التي استمرت لساعات طويلة، انعكست الأجواء الإيجابية سريعاً على الساحة اللبنانية التي بدت من أكثر الساحات تأثراً بنتائج اللقاءات، في ظل تراجع منسوب التوتر العسكري وبدء الحديث عن خطوات عملية لترسيخ الاستقرار جنوباً.
اتفاق على استكمال المفاوضات
وفي ختام الجولة الأولى من المحادثات، أعلنت كل من قطر وباكستان، اللتين اضطلعتا بدور الوساطة بين الطرفين، التوصل إلى تفاهم يقضي بمواصلة الاجتماعات الفنية خلال الأيام المقبلة في سويسرا، بهدف استكمال البحث في الملفات العالقة ووضع الأسس التنفيذية للتفاهمات السياسية التي تم التوصل إليها.
وأكد بيان الوساطة أن الجانبين وافقا على خارطة طريق زمنية تمتد لستين يوماً للوصول إلى اتفاق شامل يعالج القضايا الخلافية ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي.
كما تم الاتفاق على إنشاء آلية اتصال مباشرة بين واشنطن وطهران لتجنب سوء الفهم والحوادث الأمنية، إضافة إلى ضمان حرية الملاحة الدولية وتأمين عبور السفن التجارية في مضيق هرمز الذي شكّل خلال الأشهر الماضية إحدى أبرز بؤر التوتر في المنطقة.
لبنان في صلب المباحثات
وحضر الملف اللبناني بقوة على طاولة المفاوضات، حيث شددت الأطراف المشاركة على ضرورة تثبيت الهدوء ومنع انزلاق الأوضاع مجدداً نحو مواجهة واسعة. وكشف الوسطاء عن توافق مبدئي على إنشاء خلية مشتركة لخفض التصعيد بالتنسيق مع الدولة اللبنانية والجهات الدولية المعنية، مهمتها متابعة تنفيذ ترتيبات وقف الأعمال العسكرية وتوفير الظروف اللازمة لعودة الاستقرار إلى المناطق الحدودية الجنوبية.
وفي موازاة ذلك، أجرى رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون سلسلة اتصالات تناولت سبل تثبيت وقف إطلاق النار ومنع أي تصعيد جديد، في ظل مساعٍ دولية متواصلة لدعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز انتشار الجيش في المناطق الحدودية.
عراقجي: تقدم كبير في معالجة تداعيات الحرب
من جهته، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المحادثات حققت تقدماً كبيراً في عدد من الملفات المرتبطة بالأمن الإقليمي، مشيراً إلى أن البحث تناول بصورة خاصة تداعيات الحرب في لبنان وسبل منع تكرارها.
وكشف مسؤولون إيرانيون عن نتائج اقتصادية إيجابية رافقت المحادثات، من بينها تسهيلات تتعلق بصادرات النفط والبتروكيماويات والإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، في خطوة اعتبرتها طهران مؤشراً على جدية المسار التفاوضي.
كما أكدت مصادر مطلعة أن الملف النووي طُرح بصورة أولية ومحدودة خلال الاجتماعات، على أن يتم التوسع في مناقشته خلال الجولات المقبلة.
توتر محدود وعودة إلى الحوار
ورغم المناخ الإيجابي الذي خيّم على المفاوضات، شهدت إحدى الجلسات لحظات من التوتر بعدما انسحب الوفد الإيراني مؤقتاً احتجاجاً على تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث فيها عن احتمال العودة إلى الخيار العسكري في حال استمرار الدعم الإيراني لحزب الله.
إلا أن التدخل السريع للوسطاء القطريين والباكستانيين نجح في احتواء الموقف وإعادة الوفدين إلى طاولة التفاوض، ما سمح باستكمال الاجتماعات التي امتدت لنحو ثماني عشرة ساعة متواصلة وانتهت بإعلان التفاهمات الأولية.
إسرائيل تتمسك بوجودها جنوب لبنان
بالتزامن مع المحادثات، واصلت إسرائيل إرسال رسائل متشددة بشأن الوضع في الجنوب اللبناني، إذ أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في ما تصفه تل أبيب بـ"المنطقة الأمنية" طالما استدعت الظروف الأمنية ذلك.
بدوره، شدد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر على أن أي انسحاب من المناطق الحدودية سيبقى مرتبطاً بالتقييمات الأمنية الإسرائيلية.
في المقابل، تحدثت تقارير إسرائيلية عن اتصالات مرتقبة لبحث ترتيبات ميدانية تتعلق بنقل مسؤولية بعض المناطق إلى الجيش اللبناني ضمن خطوات انسحاب جزئية محتملة من مواقع تقع على امتداد الخط الحدودي.
الجنوب يستعيد الحياة
وفي موازاة الحراك السياسي والدبلوماسي، بدأت مؤشرات التهدئة تظهر بوضوح على الأرض في جنوب لبنان، حيث عاد عدد متزايد من الأهالي إلى بلداتهم وقراهم الحدودية بعد أشهر من التهجير والخوف.
وانطلقت ورش ترميم المنازل والمؤسسات المتضررة، فيما عاد النشاط تدريجياً إلى الأسواق والشوارع التي عانت طويلاً من آثار الحرب والاعتداءات.
ورغم استمرار تحليق الطائرات المسيّرة الإسرائيلية فوق الضاحية الجنوبية وبعض المناطق اللبنانية، فإن مشهد عودة السكان إلى منازلهم أعطى إشارة واضحة إلى تمسك اللبنانيين بأرضهم وإصرارهم على استعادة حياتهم الطبيعية.
إرادة الحياة أقوى من إرادة الموت
ويرى مراقبون أن النتائج الأولية لمحادثات بورغنشتوك قد لا تكون مجرد تفاهم سياسي عابر، بل قد تشكل بداية لمسار إقليمي جديد يخفف من حدة الصراعات التي أنهكت المنطقة خلال السنوات الماضية.
وفي لبنان تحديداً، تبدو الآمال معلقة على أن تتحول هذه التفاهمات إلى خطوات عملية تكرّس الاستقرار وتمنح الجنوبيين فرصة حقيقية لإعادة بناء ما دمرته الحرب.
فبين ركام المنازل وصوت ورش الإعمار، وبين الحذر الذي يرافق المشهد الميداني والتفاؤل الذي تزرعه الدبلوماسية، يبرز عنوان واحد يختصر المرحلة المقبلة: إرادة الحياة تبقى دائماً أقوى من إرادة الموت.













06/22/2026 - 14:42 PM





Comments