تنسيق سعودي - قطري غير مسبوق… ورسالة سعودية حاسمة: “لا تجاوز للدولة اللبنانية بعد اليوم

06/22/2026 - 11:57 AM

San diego

 

بيروت - تحقيق من اعداد جورج ديب

في الأيام القليلة المقبلة، يدخل الملف اللبناني مرحلة جديدة من التعاطي العربي، مع استعداد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام للقيام بزيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية وقطر، في خطوة تُعدّ الأكثر أهمية منذ اندلاع الأزمة اللبنانية المتعددة الوجوه.

هذه الزيارة ليست بروتوكولية ولا تأتي في سياق المجاملات الدبلوماسية، بل تحمل في طياتها إشارات سياسية واضحة، ورسائل عربية مباشرة، ومؤشرات على تحوّل في طريقة مقاربة الرياض والدوحة للملف اللبناني، خصوصًا بعد سنوات من التردد، الحذر، والانكفاء.

مصادر سياسية رفيعة المستوى كشفت أنّ الزيارة تأتي نتيجة تنسيق سعودي-قطري مباشر، تقوده شخصيتان مركزيتان في البلدين: الأمير يزيد بن فرحان من الجانب السعودي، ووزير الدولة القطري محمد الخليفي من الجانب القطري. هذا التنسيق، وفق المصادر نفسها، ليس تفصيلاً عابرًا، بل يعكس إرادة مشتركة لإعادة الإمساك بالملف اللبناني بطريقة مختلفة، أكثر صرامة، وأكثر وضوحًا، وأكثر احترامًا لمبدأ أساسي: عدم تجاوز الدولة اللبنانية في أي مفاوضات أو ترتيبات مقبلة.

هذا المبدأ، الذي أصرت عليه السعودية تحديدًا، يشكّل نقطة تحوّل في التعاطي مع لبنان، بعدما كانت المبادرات السابقة تُدار عبر قنوات جانبية، أو عبر قوى سياسية محلية، أو عبر وسطاء إقليميين ودوليين. اليوم، تقول الرياض بوضوح: "الدولة أولاً، والدولة فقط". خلف هذا الموقف، تقف قراءة سعودية-قطرية مشتركة مفادها أنّ استمرار التعامل مع لبنان عبر القوى المتصارعة أو عبر الوسطاء لم يؤدِّ إلا إلى مزيد من الانهيار، وأنّ أي محاولة لإنقاذ لبنان أو إعادة إدماجه عربيًا يجب أن تمر عبر المؤسسات الشرعية، لا عبر القوى المتنازعة على السلطة.

زيارة نواف سلام تأتي في لحظة حساسة، حيث يعيش لبنان واحدة من أعقد مراحله: انهيار اقتصادي غير مسبوق، فراغات سياسية متكررة، حدود مشتعلة، مؤسسات مترهلة، وشعب يختنق تحت وطأة الأزمات. ومع ذلك، ترى الرياض والدوحة أنّ هناك فرصة لإعادة بناء علاقة جديدة مع لبنان، شرط أن تكون الدولة هي الشريك الوحيد، وأن يكون رئيس الحكومة هو الممثل الشرعي للمسار الإصلاحي والسيادي.

في كواليس التحضير للزيارة، تكشف المصادر أنّ الاتصالات بين الأمير يزيد بن فرحان ومحمد الخليفي كانت مكثفة خلال الأسابيع الماضية، وأنّ الطرفين اتفقا على "خريطة طريق" أولية للتعامل مع لبنان، تتضمن ثلاثة محاور أساسية: أولاً، دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، خصوصًا الجيش والقضاء والإدارة العامة، باعتبارها الركائز الوحيدة القادرة على إعادة إنتاج الاستقرار.

ثانيًا، رفض أي صيغة تتجاوز الحكومة اللبنانية في الملفات الحساسة، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو سياسية. ثالثًا، الدفع نحو مقاربة عربية موحدة للملف اللبناني، تمنع استفراد أي طرف خارجي بالساحة اللبنانية. هذا التنسيق، بحسب المصادر، لم يكن سهلًا، لكنه كان ضروريًا.

فالسعودية التي عانت طويلًا من "خيبات" الساحة اللبنانية، تريد اليوم ضمانات واضحة بأنّ أي دعم لن يذهب إلى جيوب القوى المتصارعة، بل إلى الدولة. وقطر، التي لعبت تاريخيًا دور الوسيط، تريد أن تكون جزءًا من الحل، لا مجرد صندوق تمويل. في هذا السياق، تأتي زيارة نواف سلام كاختبار لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة ثقة العرب. سلام، الذي يُنظر إليه عربيًا كشخصية هادئة، عقلانية، إصلاحية، وغير متورطة في صراعات الداخل، يحمل معه ملفًا دقيقًا: كيف يمكن للبنان أن يعود دولة قابلة للحياة؟.

وكيف يمكن للعرب أن يساعدوا دون أن يتحولوا إلى طرف في النزاع الداخلي؟ في الرياض، من المتوقع أن يلتقي سلام كبار المسؤولين السعوديين، وأن يبحث معهم في ملفات حساسة، أبرزها: مستقبل الدعم الاقتصادي، إعادة فتح قنوات التعاون، دعم المؤسسات الأمنية، وإعادة إدماج لبنان في المنظومة العربية. السعودية، وفق المعلومات، مستعدة للذهاب بعيدًا في دعم لبنان، لكنها تريد رؤية "خطة واضحة" من الحكومة، لا وعودًا عامة.

أما في الدوحة، فسيكون التركيز على الجانب السياسي والدبلوماسي، وعلى دور قطر في تسهيل الحوار الداخلي اللبناني، خصوصًا في الملفات التي تحتاج إلى توافق وطني، مثل الإصلاحات الدستورية، إعادة هيكلة القطاع العام، والملف الرئاسي. لكن خلف كل هذه العناوين، هناك بُعد إنساني لا يمكن تجاهله.

الدول العربية تدرك حجم المعاناة التي يعيشها اللبنانيون: الفقر، الهجرة، فقدان الأمان، انهيار الخدمات، وانسداد الأفق. وتدرك أيضًا أنّ استمرار هذا الوضع سيحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة للفوضى، وهو ما لا تريده أي دولة عربية. لذلك، فإنّ زيارة سلام ليست مجرد زيارة سياسية، بل هي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بلد يتداعى.

في المقابل، يدرك سلام أنّ نجاح زيارته مرتبط بقدرته على إقناع العرب بأنّ الدولة اللبنانية قادرة على النهوض، وأنّ الحكومة ليست مجرد واجهة لصراعات القوى، بل مؤسسة تريد فعلاً الإصلاح. سلام، بحسب مصادر مقربة منه، يحمل معه خطابًا واضحًا: "لبنان لا يريد صدقات، بل يريد شراكة. لا يريد وصاية، بل يريد دعمًا يحترم سيادته. لا يريد التفافًا على الدولة، بل يريد تعزيزها". هذا الخطاب يلقى صدى إيجابيًا في الرياض والدوحة، لأنّه يتقاطع مع الرؤية العربية الجديدة: دعم الدولة، لا دعم القوى.

ومع ذلك، فإنّ الطريق ليس سهلًا. فلبنان يعيش انقسامًا داخليًا عميقًا، وهناك قوى لا تزال تراهن على الخارج، وأخرى تعيش على منطق التعطيل، وثالثة تستفيد من الفوضى. لكن العرب، وفق ما تؤكد المصادر، قرروا هذه المرة أن يتعاملوا مع لبنان بطريقة مختلفة: "من يريد الدعم، فليأتِ عبر الدولة.

ومن يريد الحل، فليجلس على طاولة المؤسسات". في هذا الإطار، تكشف المعلومات أنّ السعودية وقطر تدرسان إمكانية إطلاق "مبادرة مشتركة" بعد زيارة سلام، تتضمن دعمًا اقتصاديًا مشروطًا بالإصلاحات، ومظلة سياسية عربية لحماية الاستقرار، وربما مسارًا دبلوماسيًا لإعادة ترتيب العلاقات اللبنانية-العربية.

هذه المبادرة، إن أبصرت النور، ستكون الأولى من نوعها منذ اتفاق الدوحة عام 2008، لكنها تختلف عنه في نقطة جوهرية: هذه المرة، الدولة اللبنانية هي الطرف الأساسي، لا القوى السياسية. في الخلاصة، زيارة نواف سلام إلى السعودية وقطر ليست حدثًا عابرًا، بل محطة مفصلية في مسار إعادة بناء العلاقة بين لبنان والعالم العربي. هي زيارة تحمل في طياتها الأمل، لكنها تحمل أيضًا التحذير: العرب مستعدون للمساعدة، لكنهم لن يكرروا أخطاء الماضي.

الدولة أولًا، الدولة فقط. لبنان أمام فرصة نادرة، وربما أخيرة، لإثبات أنّه لا يزال قادرًا على النهوض. والسؤال الذي سيُطرح بعد عودة سلام هو: هل يلتقط الداخل اللبناني هذه الفرصة، أم يتركها تضيع كما ضاعت فرص كثيرة قبلاً؟ هذه المرة، العرب ينتظرون الجواب من الدولة، لا من اللاعبين على حبالها.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment